الانتفاضة
يتوجه مئات الأطفال من مخيمات تندوف إلى بعض الدول الأوروبية، وخاصة إسبانيا، لقضاء بضعة أسابيع مع عائلات مضيفة. وغالباً ما تستمر هذه الرحلة لعدة سنوات بمباركة البوليساريو. وهذا ما ندد به منتدى دعم مؤيدي الحكم الذاتي في تندوف (فورساتين) يوم الأحد 30 يونيو.
وفي بيان له، تطرق المنتدى إلى تجاوزات برنامج “عطل في سلام”، الذي يهدف بشكل رئيسي إلى تسهيل تبني الأطفال الصحراويين من قبل جمعيات وعائلات أوروبية. وهي عملية “يتخللها مرور الأطفال عبر مجموعة من المراحل تحت مسميات مختلفة : أنشطة ترفيهية ، زيارات ، رحلات، حملات علاجية ، كلها مسميات للتمويه حول ما حقيقة تلك البرامج، التي تهدف إلى غسل أدمغة أطفال مخيمات تندوف واقتلاعهم من جذورهم”
وأكد فورساتين أن اختيار الأطفال لا يتم بشكل عشوائي، وإنما يتم “التركيز على أطفال ينتمون لأقليات قبلية أو أطفال يتامى ، تفاديا للاحتجاجات عقب انتهاء فصل الصيف دون رجوعهم الى المخيمات حسب الاتفاق مع العائلات المتبنية”. بينما يواصل أطفال أعضاء قيادة البوليساريو والقبائل الكبيرة دراستهم في أوروبا أو في بعض دول أمريكا اللاتينية.
وتعود النسخة الأولى من “عطل في سلام” إلى صيف 1979. حيث نظم الحزب الشيوعي الإسباني آنذاك رحلة إلى إسبانيا لصالح 100 طفل صحراوي من مخيمات تندوف. فيما بعد، أضيف التبني من قبل العائلات الأوروبية، وخاصة الإسبانية، إلى هذا البرنامج. وعلى الرغم من كل الاحتياطات التي اتخذتها البوليساريو، فإن هذا البرنامج شهد تجاوزات، حيث تفقد بعض الأسر صبرها، وتتمرد وترفض “اقتلاع” أطفالها، ولا تتردد في “احتجازهم” عند عودتهم إلى تندوف، لمنعهم من العودة.
في مارس 2016، دعت منظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون، قبيل زيارته لمخيمات تندوف، إلى مطالبة البوليساريو بتسهيل الإفراج عن ثلاث نساء: المعلومة موراليس دي ماتوس، مواطنة إسبانية، وداريا إمبارك سلمى، وناجيبا محمد قاسم، اللوائي تم احتجازهن من قبل أسرهن في مخيمات تندوف.
رضخت الجبهة عندئذ لإرادة الأسر لتجنب تكرار الاحتجاجات الشعبية في نونبر 2014 التي تلت تهريب، محجوبة محمد حمدي داف، مواطنة إسبانية منعتها عائلتها البيولوجية لعدة أشهر من الانضمام إلى عائلتها بالتبني في إسبانيا.
بالإضافة إلى المآسي العائلية، لا يفلت أطفال “عطل في سلام” من الاستغلال السياسي من قبل البوليساريو. ففي غشت 2018، اضطر الفاتيكان إلى نشر توضيح رداً على استغلال إعلامي لصورة البابا فرنسيس مع أطفال صحراويين في روما.
وقالت أمينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، إن “عملية نقل الأطفال إلى الخارج تتم في إطار صفقة بين مسؤولي البوليساريو وممثلي جمعيات الدعم والأسر الحاضنة، في غياب لأي مراقبة لنمط الحياة اليومي للأطفال داخل أوساط ثقافية ودينية مختلفة تماما عن معتقدهم وثقافتهم الحسانية الصحراوية وعاداتهم وتقاليدهم”.
وشددت المتحدثة ذاتها على أن “هذا البرنامج التبشيري العالمي يضم الكثير من المنظمات التي تشتغل في مجال الدعم الإنساني بمنطقة تندوف، فيما يقدم المركز سيلا من المعلومات للكنائس العالمية، في إطار تعزيز خدماتها التبشيرية في منطقة اللاقانون بالمخيمات، باستهداف فئة الأطفال الصغار على وجه الخصوص، عبر تقديم موارد تعليمية ولعب ومساعدات إنسانية لأسرهم.”.
وفي سياق متصل قال عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، إن “أزيد من ثلاثة آلاف طفل صحراوي سيغادرون المخيمات متوجهين الى الديار الأوروبية في إطار برنامج ‘عطل السلام’ الذي يشوبه الكثير من الغموض، لاسيما في جانب ما يتلقاه الأطفال الصغار من قيم وطقوس وسلوكيات يومية في مقار سكنى العائلات الحاضنة، إضافة إلى ما تلقته المنظمات الحقوقية من حالات كثيرة حول التحرش الجنسي والقمع والتضييق الذي يتعرض له الأطفال الصغار ومنعهم من ممارسة العبادة أو التحدث بلغتهم ولهجتهم الاصلية، وفرض نمط عيش الغربيين عليهم”.
وشدد المتحدث ذاته على أن “الأمر يتعلق بمحاولات حثيثة لفرض انسلاخ ديني وثقافي على الأطفال الصحراويين القادمين من المخيمات”، داعيا “الأسر الصحراوية بمخيمات تندوف إلى الحيطة والحذر بخصوص قرار إرسال أبنائها إلى البلدان الأوروبية لقضاء عطلة الصيف، لما لذلك من أثر نفسي مدمر على نفسية وصحة الأطفال، ولما قد يترتب عليه من ارتداد عن قيم المجتمع الصحراوي الدينية والثقافية، وإنتاج أجيال تائهة بسبب تفريط الآباء والأمهات في فلذات أكبادهم في سياقات المعاناة والبحث عن ملاذ آمن لأبنائهم”.
في حين أورد محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، أن “برنامج عطل السلام الذي أسسه له الحزب الشيوعي الإسباني أواخر سبعينيات القرن الماضي يعد أحد أهم وسائل تدجين عقول الأطفال وتعبئتهم، عبر نقلهم إلى بعض الدول الأوروبية بغرض تلقينهم الإيديولوجيات الراديكالية، وغسل أدمغتهم قبل عرضهم للتبني أمام الأسر الأوروبية بهدف كسب ولاء وتعاطف تلك الأسر مع المشروع الانفصالي”.
وسجل رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان أن “الممارسات المرافقة لبرنامج عطل في سلام ليست إلا شكلا من أشكال الانتهاكات التي يتعرض لها أطفال مخيمات تندوف الذين يتم تجنيدهم قسرا، والزج بهم في معسكرات التدريب وتسخيرهم في أعمال السخرة، وغيرها من الانتهاكات التي وثقتها العديد من التقارير، والمنافية لقواعد القانون الدولي ذات الصلة”.
التعليقات مغلقة.