الانتفاضة // كوتر الداوودي // صحفية متدربة
في فاتح شهر ماي من كل سنة، تحتفل أكثر من 100 دولة حول العالم بعيد العمال، أو عيد الشغل كما يسمى في المغرب، و هو عطلة رسمية يتم احيائها بتنظيم مظاهرات و احتجاجات عمالية ضخمة لاستحضار التاريخ الحافل و التضحيات العمالية مند الثورة الصناعية و التي ساهمت في توحيد مطالب القوة العاملة و تحسين ظروف تشغيلها.
منذ منتصف القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة تعيش بداية الثورة الصناعية، وكان العمال الأوروبيون المهاجرون إلى “العالم الجديد” يمثلون الشريحة الأكبر في القوة العاملة في أمريكا.
كانت ظروف العمل مروعة والأجور متدنية وساعات العمل طويلة، وأصبحت الاضرابات العمالية في العقد الثامن من القرن التاسع عشر شائعة جدا، وكان من بين قادة الحركة العمالية الأمريكية عدد كبير من الاشتراكيين والشيوعيين وغيرهم من اليساريين الذين كانوا يؤمنون بضرورة القضاء على النظام الرأسمالي من أجل انهاء الاستغلال.
و كانت ظروف العمل في المصانع و السكك الحديدية و المطاحن والمناجم في البلاد قاتمة، حيث كان يُطلب من الموظفين، بما في ذلك الأطفال، في كثير من الأحيان العمل 12 ساعة أو أكثر يوميًا، ستة أيام في الأسبوع، في أماكن مزدحمة وسيئة التهوية.
جاءت الدعوات من أجل أيام عمل أقصر وظروف أفضل من الإضرابات والتجمعات العمالية في العقود التي تلت الحرب الأهلية. و في الخامس من سبتمبر عام 1882، نظم قادة النقابات العمالية في مدينة نيويورك ما يُعتقد أنه أول عرض لعيد العمال.
في عام 1886، دعا اتحاد نقابات العمال في الولايات المتحدة إلى إضراب في الأول من ماي للمطالبة بثماني ساعات عمل يوميا، وشارك في الإضراب أكثر من 300 ألف عامل في المصانع التي يعملون فيها في جميع أنحاء البلاد.
و في الثالث من ماي من نفس العام، قتل عدد من العمال المضربين في مدينة شيكاغو، أحد مراكز حركة الاحتجاج، على أيدي الشرطة، و في اليوم التالي، انفجرت قنبلة في ختام تجمع عمالي وأدت إلى مقتل 7 من رجال الشرطة وعدد من العمال المضربين في ساحة هيماركيت في مدينة شيكاغو.
وفي أعقاب المحاكمة التي جرت، تم الحكم على ثمانية من القادة النقابيين بتهمة الضلوع في الهجوم، وأعدم أربعة منهم عام 1887، بينما عفا حاكم ولاية ايلينوي عن البقية عام 1893 وندد بالمحاكمة.
عام 1889 كتب رئيس اتحاد نقابات العمال في أمريكا إلى المؤتمر الأول للأممية الثانية الذي عقد في باريس، داعياً إلى توحيد نضال العمال حول العالم لتحديد عدد ساعات العمل بثماني ساعات في اليوم.
وقرر المؤتمر الاستجابة لهذا المطلب عبر الدعوة إلى “مظاهرات حول العالم” في الأول من شهر ماي في العام التالي أي عام 1890، وأصبح هذا اليوم منذ ذلك العام عيداً للعمال حول العالم.
وكان اختيار هذا اليوم من قبل الأممية أيضاً بمثابة تكريم لضحايا ساحة هيماركيت في شيكاغو وغيرها من الاحتجاجات والإضرابات العمالية التي شهدتها المدينة عام 1886.
و في المغرب، يرجح أنه تم الاحتفال بعيد العمال، بطابع عصري و منظم لأول مرة في فاتح من ماي سنة 1951،مع ظهور الحركات النقابية لتوحيد مطالب العمال المغاربة الذين كانوا يشتغلون في المصانع و الوحدات الصناعية في فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب، و كانت الحركات العمالية بالمغرب في تلك الفترة محطة لإدانة الاستعمار و تحريك الشعور القومي للمغاربة.
و اليوم، لا زالت أصوات العمال تتعالى و تتوحد حول العالم في هذا اليوم، أملا في تحسين أوضاع عملهم، و تظل الزيادة في الاجور من المطالب التي حملها العمال هذا اليوم، حيث فشلت زيادات الأجور في مواكبة التضخم في العام الماضي، حسبما ذكرت منظمة العمل الدولية في تقريرها لعام 2024.
التعليقات مغلقة.