محمد عمارة…قراءة في فكر محمد عابد الجابري

الانتفاضة // الدكتور // محمد الطاهيري (روضة الفكر)

يمهد الدكتور محمد عمارة رحمه الله لكتابه بالحديث عن المواقف التي جمعته بالدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله، والتي تعرف من خلالها عليه، وضمنها تعقيب له على بحث تقدم به الجابري ورد فيه ما يفيد أن علينا تجاوز كل التراث، وهو الأمر الذي لم يدعه عمارة يمر دون رد، مما أغضب الجابري!.
عمارة يذكر بعد ذلك أنه لما وجد الجابري له قراء ومشروعا ضخما مليئا بما بصح وما لا يصح، بل بما هو خطير يستوجب التصحيح، قرر أن يقرأ له، لكن ليس عن طريق بحوث الدكتوراه التي أنجزت حوله وقرأها فوجدها تكشف أخطاءه وافتراءاته، وإنما بقراءة ما كتبه الرجل من مصادره، وكذلك كان.
وبعد القراءة وجد عمارة أن الواجب يقتضي منه أن يرد على الرجل ردا علميا، فخصص لذلك كتابه هذا الذي عنونه ب”رد افتراءات الجابري على القرآن الكريم”.
في الفصل الأول المعنون ب موقف الجابري من التراث، يكشف عمارة من خلال مقتبسات للجابري من كتبه حول القرآن الكريم أنه يسعى لتحييد تراث الأمة عن طريق تفكيك عناصره التي هي اللغة والشريعة والعقيدة والسياسة، وتصنيفه شيئا تاريخيا لا يصلح لعصرنا الحاضر، مما يستوجب استبداله بشيء جديد بالاستفادة من المنهجية العلمية لفلاسفة غربيين من أمثال كانت وفرويد وباشلار والتوسير وفوكو وكارل ماركس، وكل هذا من أجل الاخذ بالحداثة الغربية في مختلف الميادين كما يصرح بذلك الجابري.
وفي الفصل الثاني المعنون بترتيب الجابري للقران يبين عمارة أن الجابري ينقض غزله، إذ اعتمد في مشروعه لتفسير القرآن العظيم ترتيب النزول دون الترتيب الذي اختاره الله عز وجل لكتابه، واعتمد بعدها على أسباب النزول كمحدد أساسي في تفسيره، علما أنه هو نفسه يقر بأن أسباب النزول (رغم النسبة الضعيفة للآيات التي وردت أسباب نزولها إذ تنحسر بين ٧ و١٤ في المائة من مجموع الآيات)لا تصلح أن يبنى عليهافهو رغم قوله هذا بنى عليها مشروعه في تفسير القرآن، والذي عنونه ب”مدخل إلى القرآن”، وهو ذات العنوان الذي اتخذه المستشرق الفرنسي بلاشير (ت.1973)لكتابه عن القرآن.
في الفصل الثالث المعنون بأخطاء لا خطايا يذكر عمارة أن أول خطأ للجابري هو اعتباره الوحي أمرا يؤخذ بالتسليم، أي دون إعمال العقل، وهو ما رد عليه عمارة بقوله إن نقطة البدء في الإسلام هي الإيمان بالله عز وجل، وطريق الإيمان هو العقل وليس التسليم، والآيات تدعوا إلى إعمال العقل والنظر فيما خلق الله للتعرف عليه سبحانه.
والخطأ الثاني الذي ذكر عمارة أن الجابري وقع فيه هو اعتباره العبادات أمرا غير معقول، حيث قصر نظره على صورتها، ولم ينتبه إلى أن للعبادات حكما وعللا معقولة، وأعطى عمارة أمثلة لها في مجال الصلاة، والصيام، والحج والزكاة. وذكر عمارة بعد ذلك أن العبادات التي لا تظهر لنا عللها وحكمتها كتقبيل الحجر الأسود مثلا لها عليتها في حد ذاتها، حيث إنها عنوان المحبة لله والخضوع لأمره. وليس بمقدور الإنسان إدراك العلة في كل العبادات، لأنه يظل في النهاية محدود القدرات وعبدا لله.
وأما الخطأ الثالث فرد فيه عمارة على الجابري في اعتماده قول بعض الحنابلة بأن التحسين و التقبيح نقليين وليس عقليين، حيث بين عمارة أن هذا قول أخذه الجابري من أفواه أصدقائه الحداثيين الذي يخوضون حربا شرسة ضد “المدرسة النجدية”، ولو أن الجابري قرأ لابن تيمية وهو حنبلي لوجد أنه يقر بكون التقبيح والتحسين بالعقل اختيار أكثر مذاهب الإسلام.
وأما الخطأ الرابع فرد فيه عمارة على فصل الجابري بين التجربة الروحية، وفي القمة منها التجربة النبوية، وبين الحس والعقل، وذلك ببيان أن تجربة رسول الله صلى الله عليه وسلم الروحية كانت محسوسة مشاهدة ولم تكن منفصلة عن العقل والحس.
وأما الخطأ الخامس فرد فيه عمارة على الجابري في اعتباره لا فرق بين القران وبين الإنجيل والتوراة إلا في أنه نزل باللغة العربية! وهو قول متهافت حسب عمارة، حيث لا وجود أصلا للتوراة والانجيل الحقيقيين حتى يقارن بينهما، ولو افترضنا أنهما وجدا لقلنا إن القرآن العظيم جاء بشريعة مختلفة عن الكتابين السابقين، كما أنه معجز في نظمه البياني، وفي بلاغته، وفي غير ذلك، أما إذا كانت مقارنة الجابري للقران بما بين أيدينا اليوم من نسخ توراة وإنجيل فالخطأ أفدح وأشد لأنها كتبت بعد قرون من وفاة الأنبياء الذين أنزلت عليهم.
والخطأ السادس فرد فيه عمارة على اعتبار الجابري قصص القرآن الكريم عن أنبياء بني إسرائيل هي نفسها التي وردت في القرآن الكريم، ورد عمارة هنا كان شبيها برده السابق على الخطأ الخامس، مع بيان كذب هذه التسوية بين ما جاء في الإنجيل والتوراة الحديثان وما في القرآن الكريم، حيث نجد القرآن الكريم يذكر الأنبياء بخير، وهو ما نعدمه في غيره من الكتب السابقة المحرفة.
والخطأ السابع رد فيه عمارة على الجابري في اعتباره حادثة الإسراء والمعراج رؤية منامية، وهو ما فنده عمارة بما وقع إثر هذه الحادثة من إرتداد عدد من المسلمين عن دينهم ووقوع ضجة كبيرة بسببها، فلو كانت الحادثة رواية كما قال الجابري فأين نضع الدراية بتعبير عمارة، أو بعبارة أخرى لو كانت منامية فما سبب هذه الضجة كلها؟ ولم ينف عمارة أن هناك من العلماء المسلمين من وافقوا الجابري فيما ذهب إليه بخصوص هذه الحادثة.
والخطأ الثامن رد فيه عمارة على اعتبار الجابري مصطلح الإسلام ظهر متأخرا، ونسب للمسلمين بسبب استسلامهم وخصوعهم لسلطة النبوة! وهو ما فنده عمارة ببيان معنى الإسلام على حقيقته، والذي هو إسلام الوجه لله، ووظف لبيان ذلك الآيات التي تبين أن المصطلح كان عند الأقوام قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما تذكره بعض الآيات مثل قول الله عز وجل على لسان فرعون لما أدركه الغرق(لا اله الا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا أول المسلمين) وغيرها..
الخطأ التاسع رد فيه عمارة على الجابري في اعتباره أن قصص القرآن الكريم لم تقع، وإنما سيقت سياقا فنيا للعبرة والعظة، وشبهها بقصص الحوار بين اهل الجنة والنار، حيث إن القيامة لم تقم بعد! وهو ما رد عليه عمارة ببيان مسألة التصديق بكتاب الله، والتي توشك حسب عمارة أن تخرج الجابري -والعياذ بالله- من الدين، بسبب تكذيبه القرآن الكريم.
ويختم عمارة هذا الفصل بذكره أن هذه الأخطاء التي وقف عندها بتفصيل قد يعتبرها البعض خطايا، ولكنه رغم ذلك اعتبرها أخطاء لأن هناك ما هو أفدح منها، وهو ما فصله فيما يأتي في الفصل الرابع الذي عنونه بخطايا لا مجرد أخطاء.
وقد رد فيه ابتداء على اعتبار الجابري الأنبياء والرسل وخاتمهم محمد غير معصومين، ولم يفت عمارة أن يبين زيف دعوى اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يعتريه الشعور بالفشل نتيجة عدم إسلام بعض قومه، أو بعض الناس، وهو ما يخالف ما نصت عليه آيات تبين أن الله أخبره بأنه لن يهدي من أحب، وأنه سبحانه يهدي من يشاء، وأن دوره فقط البلاغ، وغير ذلك مما يبين بأنه لا يوجد داع ليحس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفشل نتيجة عدم إسلام بعض من دعاهم للدين، بل إن ما أحس به صلى الله عليه وسلم هو الشفقة على من لم يهتد لأنه رحمة للعالمين..
والخطيئة الثانية رد فيها عمارة على كذب الجابري على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه المهاجرين حين اتهمهم بأنهم خرجوا إلى المدينة مهاجرين لكي يحاربوا قريشا وأنهم شكلوا سرايا للاستيلاء على الغنائم! وهو ما فنده عمارة بأدلة من القرآن الكريم ومن السيرة النبوية، فمن القرآن الكريم نقرأ في أكثر من آية أن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه أخرجوا، وليس خرجوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصرح بأن مكة أحب البقاع إليه، ولولا أن قومه أخرجوه منها لما خرج، فهو ومن معه إذن هاجروا مكرهين، فكيف يتهمهم الجابري بأنهم هاجروا بقصد العودة إلى قريش مهاجمين لها؟! ولم يفت عمارة أن يفند أيضا بنصوص السيرة النبوية أقوال العلماء بأن ما كان من سرايا للهجوم على بعض القوافل كان في البداية لاسترداد بعض حقوقهم التي سلبت منهم، وذلك حقهم، وأيضا من باب الدفاع لا الهجوم.
وأما الخطيئة الثالثة فرد فيها عمارة على الجابري في ادعائه أن القرآن الكريم حين جمع ودون وقعت فيه أخطاء ونسيان وتبديل وحذف ونسخ! وادعاؤه كذلك أن جميع علماء الاسلام يعترفون بذلك، وهذا ما فنده عمارة بالعودة إلى النصوص القرآنية والحديثية والوقائع التاريخية التي تناولت الأمر من مصادره.
وختم عمارة كتابه بجمع أبرز ما طرحه الجابري من أفكار حول المنهج والتراث والرسول وأمته ودولته وصحبه، وحول القرآن الكريم في عرائض ملخصة لما جاء في الكتاب، وأكد مجددا أن دافعه للرد على الجابري هو إنقاذ عقول قراء الجابري من زيفه وكذبه عن القرآن الكريم، آملا أن يخفف كتابه هذا من تبعات الرجل وقد صار إلى ربه.

التعليقات مغلقة.