كثيرا ما أصادف أشخاصًا يَدَّعون غيْرَتهم على الوطن ، وهمْ يَتَبجَّحون بنضالهم المستميت من أجل حماية المال العام ، وفضح الفساد والمفسدين ، وللأسف يجدون الأتباع والمريدين ، ومن يطَبِّل لهم ،ومن يقدم لهم الدعم المادي والمعنوي ، وإذا اطَّلَعْت على حقيقتهم ، وجدتهم مجَرَّد دُمى تخدم أجندة معينة ، أو كراكيز تتقن أسلوب الخطابة وسحر الكلام ، أو تجار في جُبَّة الحقوقي والسياسي والجمعوي..، ولا غرابة أن بعضهم لا يتوفر على مستوى دراسي مشرف ، ولا على عمل قار يضمن له كسب القوت اليومي والعيش الكريم ،فأصبح النضال في زمننا مهنة تدر مداخيل مادية كبيرة ، وتؤهل للجلوس مع شخصيات مهمة ونافذة ، والركوب على سيارات فخمة ، والسفر الى عجائب الدنيا السبع، وامتلاك الأراضي والعقارات والأرصدة البنكية ًًً. إن ما يجري في العلن ،عكسه تماما يتم في السر وفي الكواليس المغلقة ، ومن الصدف العجيبة ، أنني دخلت إحدى المقاطعات الإدارية ،فوجدت مسؤولًا أمنيًا رفيع المستوى يقف في طابور ضمن المواطنين ، لم يُعَرِّف بنفسه، ولم يتَعَرَّف عليه أحد من الحضور، كان ينتظر دوره لقضاء مآربه الإدارية ، في حين دخل فجأة أحد الحقوقيين المُزَيَّفين، ومرَّ مباشرة عبر الباب الخلفي الذي فتحه دون استئذان ، وفي رمشة عين، قضى حاجته وغادر المكان غير آبه بجموع المواطنين الذين يحترمون بعضهم بعضًا، ولا يَتَبَجَّحون بحماية حقوق الإنسان، و بشعارات “جميع المواطنين سواسية في الحقوق والواجبات” … وتجنبًا لأي فهم خاطئ أو تأويل مغرض ،فإننا لا نعمِّم الحكم ، فهؤلاء حالات خاصة ، وسلوكات فردية ، يسيئون للنضال ورواده الحقيقيين، مثلما يسيئون لأنفسهم ومنظماتهم وهيئاتهم، في المقابل ، هناك مناضلون لا تهمهم شهرة ولا مناصب وغنائم ، الوطن بالنسبة لهم أغلى من المال والأهل والولد، يَفْدونه بالروح والدم ، ويعتبرون نفسهم متطوعين لخدمة أبناء الوطن والتضحية من أجلهم، وهذا لا يقلل من شأن المناضلين الشرفاء ، الذين عانوا الأمرين ،ودخلوا في معارك غير متكافئة ، وظلوا صامدين أوفياء لمبادئهم وقيمهم الأخلاقية ، لم يحنوا رأسا ، ولم يبيعوا ضميرًا ، ولم يرضخوا لتهديد فكانوا مثالا يحتدى به، ومفخرة يعتز بها، ولله في خلقه شؤون”٠…
التعليقات مغلقة.