الانتفاضة
بقلم: عبدالهادي بريويك
عند انتهاء الخريف كانت الأرض في حاجة شديدة لأخذ جديد..في حقها من القليل من المطر..كي تمنح عطاءها للإنسان وللطير والأرض والحيثان وحتى الصخر والحجر ;والشجر ..قطرات ماء كي تغدق حبها على تربة تعشق خصوبة الزمن ..
وفي بلدتنا هناك كانوا على وشك افتقادهم لحلاوة العطاء الفائت من القدر، ليأتي بعده ومكانه الترقب والتحفز…كان الشعور مرتبطا بالطبيعة، ويربطهم بها شعور الانتماء في تيقظ جديد ومتجدد، كانوا يتأهبون للتعامل معها بكيفية مرنة لا استعباد فيها ولا تدليل زائد .. محراث..تراكتور..بهائم..سواعد وسماء يتطلعون إليها في رهبة تتحول إلى حب عميق والسحب تزحف عبرها ..شبه رمادية ممتلئة منتشفة مثل الصوف..والحلم يكبر في انتظار قطرات المطر..وحلول فصل الشتاء المتعثر..الذي يمر في أحسن أحواله ..كي يقبل الربيع في بهجة الخضرة..فاتحا ذراعيه للأرض في جمال وفتوة..وهكذا، الخريف والشتاء والربيع ، فصول انهماك واحتياج ورجاء ..كما سماها سي بنعيسى حافظ الذكر الحكيم وماركسية الحدث ..ويعلمها لأبناء الفلاحين، كان يقدر صعوبة هذه الأوقات، ويعيل أسرته معتمدا أكثر على سواعده وعلى قطعة أرض طول السنة ..وفي الصيف، يحصل الفلاحون على على نتائج كدحهم كانت وفيرة أو ضئيلة ويدفعون إن أمكن، الحصة المتفق عليها من الحبوب أو بعضها أو أحيانا في إطار التضامن الاجتماعي لليتامى..يتامى القبيلة ..والأرامل ..وذوي الاحتياجات الخاصة بشكل يليق باحترام كينونة الإنسان ..
سي بنعيسى عاش وعانى معاناة تامة مثله مثل كل مشاعر الفلاحين والعمال ، ومشاكلهم، كما هي، يوم كان الاستبداد يبسط ظله القاتم فوق هذه البلاد، ودون مبالغة ، لم يكن سي بنعيسى مجرد عنوان الوطنية الجارفة فحسب كما يسجل التاريخ، فهو كبستاني وعامل وفلاح قاسى من ويلات الإقطاع في تلك الظروف وكان يهتم قبل كل شيء بإعالة أسرته ..ولكن رغم كل شيء كان حب وطنه مثل حبه لأبناءه ، متغلغلا في جوارحه وأعماقه. أنه لم ينسى أبدا كيف إغرورقت عيناه وتخضب وجهه بالدموع وهو يقرأ في أحد المناشير : أيها الإنسان فقط طهر نفسك من الفساد ..واشعر بإحساس وايجابية هذا النداء وحيويته، فزلزل ..حب هذا الوطن في جوارحه وكل كيانه بعد أن كان يربض متربصا في أعماقه، وانطلق في نطاق محيطه، وكان عمله هو توعية الفلاحين والعمال حسب مستوى إدراكه ومقدراته، متفهما معنى التسامح في الديانات وتجاذب الإنسانية في كل الخطابات .
جاء بوشتى كي يطلعه على فتوى المسيح عليه السلام بين أهل القبيلة وفي عينيه قلب الدفء ومعنى التسامح ..بواجب المواطن الصالح بصفة تلقائية وعفوية، وقد كان لبوشتى في دور عيسى المسيح في قومه ، داعيا .. يعضهم على المحبة الصادقة والتسامح والتفاهم ..وقد أتت جهود موعظته بسرعة بين قلوب أفراد القبيلة الذين يعتبرون أن هذا الوطن ..وبين أفراده تلاحم ..وفيه مأوى كل الديانات ..بصدق المشاعر ..

التعليقات مغلقة.