الثروة السعودية في مهب الريح

اسبوعية الانتفاضة

ذ محمد السعيد مازغ

كم قتلت اسرائيل من صحفي بالرصاص الحي وامام اعين الراي العام، ولم يحرك احد ساكنا، لا استنكار، لا لجن تحقيق ولا متابعة ، ولا جرأة حتى على إذانة فعل إجرامي يتنافى والمواثيق الدولية.

الجواب عن ذلك، لا يتطلب محللين وخبراء وعلم نفس لفهم حقيقة ما يجري، فالدم العربي رخيص، لا يستحق أن يحظى بالاهتمام الدولي، ولا يسمح له ان يتسبب في معاقبة الجاني الذي يملك الحق في الاحتلال والطرد والاعتقال والقتل..

                قد يقول قائل، إن جمال خاشقجي عربي، فلماذا حظي بهذا القدر من الاهتمام الاعلامي الدولي، حيث تصدر الصفحات الاولى لاكبر الجرائد، ونال حظه الاوفر في قنوات الاخبار، وفي التصريحات الحكومية للدول العظمى، وفي الخطابات الرسمية التي كشر بعضها على الانياب، وتحول بعضها إلى استعراض العضلات، وقابلها البعض الآخر ببلع الاهانات، والدخول في صفقات ديبلوماسية تحفظ ماء الوجه، وتخفف من الضغوط التي باتت تهدد بتصعيد مجهول النتائج.

تعاقب الاحداث وتداخلها، عجل بالاعتراف بمقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل السفارة السعودية بتركيا، وذلك عقابا له على نبش ملفات ذات اهمية وحساسية، تحمل في طياتها فضح الجزء اليسير مما تشهده المملكة العربية السعودية من فساد وتردي على كافة المستويات خاصة من طرف الطغمة الحاكمة وبعض المسؤولين والامراء، وهي الخطوة التي بدت حسب المتتبعين غير محسوبة العواقب، وغير مدروسة بالشكل الذي يبعد شبح التهمة عن القيادة السعودية، فكانت التخريجة، المطالبة بعزل بعض المسؤولين من مهامهم، ومحاكمة آخرين، وبدت التصريحات الامريكية تشي بالابتزاز والبحث عن نصيب من الكعكة مقابل الصمت، أو تبريء ساحة القيادة السعودية، وتحويل الانظار الى معاقبة 18 من موظفي السفارة السعودية العاملين بدولة تركيا.

السعودية جرّت عليها الويلات، بحكم الطيش والتهور، واتخاذ القرارات المتسرعة، والدخول في حروب وصراعات دولية لن تجني من ورائها الا الاستنزاف الاقتصادي، والتردي المجتمعي، والاحتقان الشعبي، وقد زاد الطين بلة، التضييق على حرية التعبير، واعتقال نشطاء حقوق الانسان ورجال الدين، واستهداف المقيمين، والإهانات المتكررة الصادرة عن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب والتي تجاوزت كل الخطوط الحمراء للوقاحة والابتزاز والتشفي، عندما يخطب ترامب أمام حشد كبير من الحضور في ميسيسيبي، ويقول : “أحب الملك، الملك سلمان، لكنني قلت: أيها الملك، نحن نحميك. قد لا تبقى لأسبوعين بدوننا. عليك أن تدفع لجيشك، عليك أن تدفع”.  وفي مناسبة أخرى قال: “السعودية بلد ثري جدا وستعطي الولايات المتحدة بعضا من هذه الثروة، كما نأمل، في شكل وظائف وشراء المعدات العسكرية”. ويستمر في تحدياته واهاناته مطالبا دول الخليج بتمويل مناطق آمنة  في سورية واليمن.. ويهددها علنا بالصوت والصورة “اموالكم مقابل بقائكم”..

إذن، فالوضعية التي تعيشها السعودية وبعض دول الخليج لا تحسدون عليها، فقد ورطت نفسها في العديد من القضايا الشائكة التي جعلها في عزلة شبه تامة سواء من الدول التي كانت تعتبر اكبر حليف للسعودية، او دول الجوار التي بات بعضها يشكل خطرا على امن واستقرار المنطقة، إيران مثلا، أسرائيل رغم أن الآلة الاعلامية تسعى لإخفاء حقيقة أطماعها، ودورها الاساسي في زرع الفتن، وخلق القلاقل، ونهب خيرات البلاد العربية، بأشكال جد ملتوية، مستغلة التشردم والاحقاد والتهور والبحث عن الحماية، والأطماع الدولية

الازدواجية في التعامل الدولي يؤكد بالملموس ان المستهدف هي السعودية، بحكم موقعها الاستراتيجي، ومكانتها داخل العالم الاسلامي والعربي، حيث كانت بمثابة الاب الروحي للمسلمين في بقاع العالم، يحج اليها الملايين من كل فج عميق، ويتعلق قلبهم بالاماكن المقدسة التي حباها الله وجعل مكة والمدينة محتضنتين لها، ومقصدين أساسيين لكل مؤمن ومؤمنة.وكانت تحظى بالتقدير والاحترام، بل كانت الدول الاسلامية تعتبر نفسها معنية بحماية السعودية، مستعددة للتضحية بالغالي والنفيس من اجل سلامتها واستقرارها، إلا أن هذه الحظوة وتلك الامتيازات بدأت تخبو من خلال استعداء الحلفاء وإهانة الشركاء واحتقار الأصدقاء. وايضا من خلال  السياسة المتبعة والتي تعتمد على الاعتماد الكلي على امريكا، و تقديم القرابين مقابل الحماية، واهدار ثروة الشعب السعودي الابي واهدائها الى الولايات المتحدة ، الشيء الذي سيؤدي بها لا محالة الى حافة الإفلاس، وإلى المزيد من القلاقل والتراجعات ليس على مستوى المنطقة العربية بل وايضا الاسلامية. 

التعليقات مغلقة.