الانتفاضة/ توفيق بوعشرين
لم أستطع أمس أن أُكمل متابعة كلمة المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، للسبب الذي تعرفونه.
فهو يذكّرني بما أريد أن أنساه من إقامتي الطويلة بين جدران السجن القاسي. بسبب مهنة المتاعب هذه، وليس لأي سبب آخر.
المهم، أعاد التامك على مسامع الجميع ما يعرفونه ولا يتحركون لتغييره. وكأن البشر خلف القضبان حشرات، وليسوا مواطنين خاصمهم القانون أو خاصموه، فوجدوا أنفسهم في السجن.
لكنهم يظلون بشرًا من لحم ودم وأحاسيس. حكم القضاء عليهم بنزع حريتهم، لا بنزع كرامتهم. عوقبوا من أجل الإصلاح وإعادة الإدماج، وليس من أجل الانتقام وتحطيم الإنسان في داخلهم.
ما معنى أن تتجاوز نسبة الملء في السجن 300 في المائة؟
معناها، لمن يسمع عن السجن ولم يره،
أن زنزانة تتسع لثمانية أشخاص، ينام فيها ويستيقظ ويعيش 24 سجينًا. ثمانية في «البياص»، و16 آخرون منشورون على الأرض، مكدّسون
أكثر من السمك في علبة «الكونسيرڤ» القديمة حرفيًّا وبلا مبالغة.
إلى درجة أن بعض «الباجدا»، وهم حديثو الالتحاق بهذا العالم السفلي، ينامون في «التواليت». نعم، يقع هذا في «المغرب المونديال».
عندما تسمعون السجّان الأول في المملكة يقول لكم، ولستُ أنا من يقول هذا، إن الاكتظاظ يصل إلى 300 في المائة، فهذا ما يجب أن تتصوّروه.
24 إنسانًا، وأحيانًا أكثر، في زنزانة لا تتسع إلا لثمانية. وهي أصلًا صغيرة جدًّا.
يقضون فيها 22 ساعة في اليوم. ولا يخرجون إلى الساحة «غير الشرفية»، بين الأسلاك الشائكة، إلا ساعتين في اليوم، وأحيانًا أقل من ذلك.
تصوّروا أن واحدًا في آخر الزنزانة يستيقظ ليلًا ويريد أن يقضي حاجته. ينزل من «البياص»، ويطأ بقدميه النائمين على الأرض، واحدًا واحدًا. ثم يوقظ من ينام في المرحاض أو عند بابه، ويدخل…
تصوّروا بقية المشهد.
ولهذا تنشب حروب أهلية في الليل، لا لسبب سوى أن البيولوجيا لا تتكيّف مع ظروف القهر هذه. ويزداد الطين بلّة، ويزداد الجو المشبع برائحة الأجساد المكدّسة والتبغ الرخيص قرفًا وعذابًا…
هنا نصير أمام تعذيب حقيقي بسبب الاكتظاظ، الذي يمسّ أولًا الشروط الصحية للعيش، وينشر أمراض الجلد والتنفس والروماتيزم، و… و…
ولا أريد أن أنتقل إلى التغذية والتطبيب، ولا إلى قسوة السجون أحيانًا، وقسوة السجّان الذي ما زال مسكونًا بنزعة التشدد مع المعتقلين.
فهو يعتبر كل سجين مشروع فارٍّ من الاعتقال، إلى أن يغادر أسوار قبر الحياة هذا .
أمامي جزء من مذكراتي عن السجن.
ولا أريد أن أفتحها حتى لا أفتح جرحًا ما زال ينزف.
لكن دعوني أقول للسيدة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ولوزير ماليتها ونجاعتها فوزي لقجع، لا تضعوا ميزانية لهذه السجون حتى تزوروها…
لقد زار الملك محمد السادس السجن مرتين في بداية عهده. وراعه ما رأى وما سمع وما شعر به. واتصل بالسيدة الفاضلة ماما آسية، التي كانت مسؤولة عن مؤسسة الأحداث، وقال لها «أنا جاهز لأي شيء تطلبينه»، لهول ما رأى داخل السجون.
حدث هذا بعد أن جرى ترتيب الزيارة الملكية. وأنتم تعرفون بروتوكولات تهيئة الزيارات الملكية، ونوع اللوجستيك الذي يتحرّك من أجلها.
ومع ذلك، صُدم الملك مما رآه في سجون كان فيها آنذاك أقل من 50 ألف سجين. فكيف وقد أصبحت اليوم تضم 100 ألف وزيادة؟
أخبركم السيد المندوب، الذي أطلب منه بهذه المناسبة الإفراج عن رسائلي إلى عائلتي وعن مذكراتي، احترامًا لحقوق الملكية. صادرها مني مدير سجن عين برجة خارج القانون. لا سامحه الله إلى أن يعيدها إلي
هل تتصوّرون أن معدل السجناء في المغرب أعلى منه في الجزائر ومصر وجنوب افريقيا وجلّ بلدان إفريقيا؟ ضعوا إصبعكم على اي بلد في خريطة إفريقيا والعالم العربي والعالم الاوروبي ستجدون المغرب في الصدارة .
هل هذا كلامي؟ لا. هذه أرقام معهد أبحاث سياسات الجريمة والعدالة (ICPR) التابع لجامعة لندن. وهو معهد بحثي جامعي محترم، وأرقامه معتمدة.
يحتل المغرب المرتبة 39 عالميًّا في معدل السجناء، بـ283 سجينًا لكل 100 ألف نسمة.
مقابل 217 السجين لكل 100 الف نسمة في الجزائر، و267 في تونس، و57 في موريتانيا.
وفي جنوب إفريقيا، حيث معدل الإجرام أعلى، هناك 273 سجينًا لكل 100 ألف نسمة. وفي السعودية 140، وفي لبنان 141.
وفي إسبانيا 121، وفي فرنسا 129، وفي بلجيكا 113، وفي ألمانيا 69 سجينًا لكل 100 ألف نسمة.
لا أذكر لكم البلدان الإسكندنافية، لأنكم ستصابون بالدوخة.
هذا مع العلم أن هناك الآن تخفيضًا تلقائيًّا للعقوبة، وعفوًا ملكيًّا في المناسبات، وقانونًا جديدًا للعقوبات البديلة. ويبدو أن بعض القضاة لم يعلموا بصدوره بعد.
لكن لماذا يتضخّم شعب السجون عندنا؟
أولًا، بسبب ثقافة الاعتقال المتجذّرة في نفوس قضاة النيابة العامة. لم يقتنعوا إلى الآن بأن هناك بدائل للاعتقال الاحتياطي، منها المتابعة في حالة سراح، مع المنع من مغادرة التراب الوطني…
تعاقب على رئاسة النيابة العامة في صيغتها الجديدة ثلاثة من رجال القضاء. محمد عبد النبوي، والحسن الداكي، وهشام بلاوي .
وكلّهم أصدروا مذكرات توجيهية إلى قضاة النيابة العامة، من وكلاء الملك والوكلاء العامين للملك، لترشيد اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، ومتابعة الناس في حالة سراح، ومراعاة آجال التقادم.
والجواب هو ما سمعتموه من مندوب السجون. «عدم عقلنة الاعتقال الاحتياطي».
(شوفوا على جملة شحال مؤدّبة… «عدم عقلنة الاعتقال الاحتياطي»، بدل «الشطط في استعمال سلطة الاعتقال»).
ثانيًا، هناك مشكلة لدى قضاة الحكم، الذين يهابون مخالفة أوامر الاعتقال الصادرة عن النيابة العامة. هذه النيابة العامة التي يُقال إنها تتابع بناءً على الشك، وإن القاضي يحكم بناءً على اليقين.
لا بد من مراجعة هذه الجملة التي يردّدها المحامون، للأسف، دون أن يتوقّفوا عند دلالاتها.
يا سادة، الشك يُفسَّر لصالح المتهم.
والأصل هو البراءة.
وعلى النيابة العامة أن تتقيّد بالمسطرة وبالقانون وبشروط المحاكمة العادلة ، لا بالشكوك، لا بشيء آخر.
وهنا يُطرح السؤال. من يضع السياسة الجنائية؟ الحكومة، كما في باقي الدول، أم قضاة لا يحاسبهم أحد؟
ثالثًا، ما زال القانون الجنائي ومسطرة تطبيقه فضفاضين، ولا يقيّدان يد النيابة العامة في موضوع المتابعة في حالة اعتقال عوض حالة السراح .
وما دمنا لم نسمع أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية أوقف قاضيًا من قضاة النيابة العامة، أو عاقبه، أو أنذره، لأنه استعمل سلطته التقديرية في الاعتقال الاحتياطي خارج القانون وهو يعتقل بني البشر، فإن قضاتنا سيستمرون في وضع المغاربة وراء القضبان.
رابعًا، مما رفع نسبة الاعتقال الاحتياطي وعدد السجناء الآن إضراب المحامين. يجب أن نقولها. ومعه كثرة الملفات، وقلة القضاة، وتشدّد أحكامهم.
هناك نزعة إلى التشدد وإطالة مدد الحبس تحت ضغط الرأي العام و«السوشل ميديا». ثم تأتي فصول القانون الجنائي القديم، المسكون بالردع والتشدد والقسوة.
أما الميزانية، فهناك مليار و128 مليون درهم للتسيير، وهو مبلغ قريب من مخصصات 2026، و200 مليون درهم للاستثمار، دون تغيير. وتراجع عدد المناصب المالية الجديدة من 2020 منصبًا إلى 1500 فقط.
إذا قسّمنا ميزانية السجون على 103 آلاف سجين، غادي تعطينا نحو 30 درهمًا في اليوم لكل سجين.
بما فيها أجور الموظفين، ومصاريف الإدارة، وفواتير الماء والكهرباء والهاتف، والصيانة، والأوراق، والأقفال والمفاتيح .
فكم سيبقى للإطعام والتطبيب والرياضة والترفيه؟ أقل من 15 أو 20 درهمًا، وفيها ثلاث وجبات. وفي الأخير يقولون لك إن هذا أكل كافٍ، يراقبه المدير وطبيب المؤسسة.
قبل أن أُعتقل…
في فبراير 2018، شاركت في برنامج على قناة «ميدي 1 تي ڤي». كان المنشّط هو الزميل الصحافي يوسف بلهيسي، وكنت أمام وزير الاتصال مصطفى الخلفي، نناقش قانون الصحافة الجديد.
وكنت من معارضيه، لأنه ترك جسرًا كبيرًا وواسعًا وسريعًا بين قانون الصحافة والقانون الجنائي. يعبره القاضي من قانون لا عقوبة حبسية فيه إلى قانون جنائي كلّه حبس وغرامات، و«خلاين دار بو الصحافي».
فأنهى الزميل يوسف جولة النقاش بقوله «هذا حديث ذو شجون».
فقلت له «هذا حديث ذو شجون وسجون»…
وكذلك كان. لم تمضِ إلا أسابيع حتى تحوّلت الشجون إلى سجون…
هذه فقرة مهداة إلى المنسيّين وراء القضبان،
الذين لا يتذكّر السادة الوزراء البرلمانيون شقاءهم إلا مرة في السنة،
بمناسبة مناقشة ميزانية السجون والعنابر و«الكاشوات».
وقاكم الله شر ذلك …