الانتفاضة/ توفيق بوعشرين
المطر تأخّر، والفلاح قلق على السنة الفلاحية، في بلدٍ تُصنع فيه السياسة في السماء.
والمحروقات امتطت صاروخاً وحلّقت عالياً.
وكل ما استطاعت الدولة فعله هو تقديم بعض الدعم للطاكسيات والحافلات ومركبات النقل. وهذا كله لا يكفي.
الطماطم ( دارت لْگرون ) في السوق.
وللتحكّم في الأسعار، أوقفت الحكومة تصديرها إلى إفريقيا فقط، فيما استمرّ تصديرها إلى أوروبا.
هكذا تُدار الأسعار في بلاد اختارت اقتصاد السوق بلا منافسة،
وحرّرت الأثمان في اقتصاد ريعي، وتحاول ارساء دولة اجتماعية على قدّ الحال…
محاربة الفساد… ماذا تقول الميزانية؟
في ملف محاربة الفساد، هناك مؤشرات متناقضة.
فقد التزمت رئيسة الحكومة، في برنامجها الحكومي ، بوضع قانون جديد لمحاربة تضارب المصالح والفساد والإثراء غير المشروع.
ثم عاد وهبي في البرلمان ليضع العصا في العجلة. تحدّث عن قرينة البراءة، وشروط المحاكمة العادلة، وضرورة ألّا ننساق وراء خطاب شعبوي يتّخذ من الفساد حصان معركة في محاولة لتعويم مطلب محاربة الفساد .
كلام حقّ أُريد به شيء آخر؟
لن نحكم الآن. ننتظر أن نرى مضامين مشاريع القوانين ومغزاها.
لكن هناك مفارقة تستحقّ أن نقف عندها.
فقد كشف المجلس الأعلى للحسابات أن الغلاف المالي الإجمالي المقترح للمحاكم المالية في مشروع قانون المالية لسنة 2027 يبلغ نحو 706 ملايين درهم، مقابل حوالي 761 مليون درهم سنة 2026. أي بانخفاض يقارب 7 في المائة،
إذا كان أخنوش، الذي لا يكره شيء في الدنيا قدر كراهيته لشيء اسمه المحكمة المالية أو قضاة الحسابات،
إذا كان ولد أحمد أولحاج قد خصّص للمحاكم المالية ميزانية أكبر سنة 2026 بالمقارنة مع ميزانية ابنة الصالحين ،
فكيف تُقدِم صاحبة شعار «تغيير المسار» على تخفيض ميزانية المحاكم المالية التي ترأسها زينب العدوي؟
تغيير المسار ومحاربة هدر المال العام يقتضيان أن نعطي المحاكم المالية ميزانية أكبر وموارد بشرية أكثر.
وهنا يظهر أحد تناقضات الحكومة بين ما تقوله في الإعلام وما ترصده في الميزانية.
ما تقراوش البرامج والوعود والشعارات بمعزل عن الاعتمادات المرصودة لتنفيذها!
امتحان البام في رئاسة الحكومة
الذي يتطلع الى وجه رئيسة حكومتنا يفهم صعوبة مهمّتها.
أمامها غلاء يتصاعد، وبطالة تتّسع، وناس نفد صبرهم …
الان وقد وصل حزب الأصالة والمعاصرة إلى رئاسة الحكومة،
عندي سؤال بسيط.
هذا الحزب اللي كان القرب من مركز القرار واحداً من مصادر قوّته،
واش يقدر يحوّل هاد القرب إلى مكسب للناس،
وجرأة في اتّخاذ القرار، وسرعة في التنفيذ؟
في ندوة بالرباط حول ما بعد انتخابات 2026، استعمل أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري محمد مدني تعبيراً يستحقّ أن نتوقّف عنده. سمّاه «حزب الحاشية».
التعبير جاي من التاريخ السياسي الإنجليزي،
حيث كانت هناك تشكيلات تدافع عن اختصاصات الملك الواسعة ، في مقابل تيارات تسعى إلى توسيع صلاحيات البرلمان وتعزيز سلطة النبلاء.
وظف الاستاذ مدني هذا المفهوم لمقاربة حزب البام الذي تاسس على يد فؤاد عالي الهمة المستشار الاول للعاهل المغربي محمد السادس
كواحد من الاحزاب التي تستمد نفوذها من القرب من الملك،
هذا النفوذ يتغير مع تبدّل الظروف السياسية.
من جهة عندك ملكية تحتفظ بسلطة واسعة، جذورها تاريخية ودينية وسياسية ودستورية. ومن جهة اخرى عندك ناخب كيصوّت على نخب برلمانية تدّعي تمثيل الأمّة.
هكذا يصبح عندنا تمثيل مزدوج، ملكي وحزبي.
وهنا كيبدأ امتحان البام مع فاطمة الزهراء المنصوري.
في تقديري، القصر غادي يعطي للبام مجالاً للتحرّك والإنجاز والجرأة في الإصلاح. على خلاف تجربة اليوسفي وتجربة بنكيران كان فيهما هاجس المنافسة حاضراً، وكان الحذر سيّد التدبير الحكومي. وبنكيران، كما أخبرنا، كان كيرجع للملك في كل قرار مهمّ ولم يكن يخفي الصعوبات التي يجدها لتمرير بعض القرارات المهمة .
دابا، من المفروض تمشي الأمور بطريقة أخرى بطريقة سلسة .
جزء من قوّة حزب الجرّار تشكّل أصلاً داخل التوازن السياسي القائم. وهذا قد يعطي لرئيسة الحكومة هامشاً اصلاحيا لتحسم في ملفات تضيع فيها الشهور بين الوزارات ومراكز القرار والبرلمان والأمانة العامة للحكومة، التي كانت تلعب دور المصفاة لمشاريع القوانين، ولعبت أحياناً دور مقبرتها.
من خلال ما رأيناه من دعم ملكي لفاطمة الزهراء المنصوري، يظهر أن الطريق سالك سياسياً. ولكن الامتحان كيبدأ ملي الإصلاح كيمسّ مصالح ناس عندهم وزن ونفوذ .
واش تقدر الحكومة تفرض شفافية والمنافسة أكبر في سوق المحروقات ؟
واش تقدر تعيّن شخصية قوية ومستقلّة في مجلس المنافسة؟
واش تقدر ترفع الضريبة على أرباح شركات الإسمنت، اللي كتشتغل في سوق مركّزة بين عدد قليل من الشركات؟
واش تقدر تجيب إصلاحاً جذرياً لصناديق التقاعد، بمساهمة كبيرة من الدولة؟
واش تقدر تجيب قانوناً لتضارب المصالح والاثراء غير المشروع بالمعايير الأوروبية؟
واش تقدر تلعب دوراً سياسياً أكبر في الملفات الحسّاسة والاستراتيجية؟
هنا غادي تبان القيمة المضافة ديال البام.
واش غادي يستعمل ( حاشيته الملكية ) باش يحسم في قرارات عندها كلفة سياسية، ولكن عندها أثر على جيب المواطن وعلى حياته؟ ولا غادي يدبّر توازنات الأغلبية بالمنطق التقليدي، ويخلّي الملفات الثقيلة تدور في نفس الدوّامة؟
تفاصيل اكبر في الحلقة الجديدة من برنامج بودكاست كلام في السياسة
الرابط في اول تعليق .