الانتفاضة
لم يعد مقبولًا أن يظل ملف الإعاقة في المغرب رهين الوعود والبرامج المتعاقبة، بينما ينتظر الأشخاص في وضعية إعاقة إجراءات ملموسة تنعكس على حياتهم اليومية، وتصون كرامتهم، وتضمن حقهم في الشغل والدخل والحماية الاجتماعية والمشاركة الكاملة في المجتمع.
إن نتائج البحث الوطني الثالث حول الإعاقة، التي كشفت في شتنبر 2026 عن ارتفاع معدل انتشار الإعاقة إلى 8.7 في المائة، مقابل 6.8 في المائة سنة 2014، وأن نحو 29 في المائة من الأسر المغربية معنية بالإعاقة، تفرض إعادة النظر في طريقة تدبير هذا الملف، والانتقال من المعالجة القطاعية المحدودة إلى سياسة وطنية شاملة تستجيب لحجم التحديات وتنوع احتياجات الأشخاص في وضعية إعاقة.
ومن هذا المنطلق، تطرح المبادرة الوطنية من أجل الدفاع عن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة بصرية سؤالًا جوهريًا: إلى متى سيظل ملف الإعاقة تابعًا لقطاع حكومي تتعدد اختصاصاته، دون أن تتحقق النتائج التي ينتظرها المعنيون؟
إن المطالبة بإحداث وزارة مستقلة تعنى بالإعاقة، بمختلف أصنافها، ليست مجرد دعوة إلى تغيير الهيكلة الحكومية أو إحداث منصب وزاري جديد، بل هي مطلب مؤسساتي يروم إرساء جهة حكومية واضحة المسؤولية، تتوفر على الصلاحيات والموارد المالية والبشرية اللازمة، وتضطلع بتنسيق السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها ومحاسبة المسؤولين عن تعثرها.
لقد أبانت التجربة عن أن وجود كتابة دولة مكلفة بالإدماج الاجتماعي، رغم ما قد تبذله من جهود ومبادرات، لم يكن كافيًا، في نظر العديد من الأشخاص في وضعية إعاقة، لتحقيق الإدماج الفعلي وضمان شروط العيش الكريم. فالمشكلة لا تكمن فقط في سن القوانين وإطلاق البرامج، وإنما في ضعف الأثر الملموس لبعض التدابير، واستمرار صعوبات التشغيل والولوجيات والتعليم والحماية الاجتماعية والاستفادة من الخدمات الأساسية.
ولذلك، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالتعهد بتنزيل القوانين والنصوص التنظيمية دون آجال واضحة أو مؤشرات دقيقة لقياس النتائج. فالقانون الذي لا يجد طريقه إلى التنفيذ، والبرنامج الذي لا يغير واقع المستفيدين، يظلان دون مستوى الانتظارات المشروعة لهذه الفئة.
وتؤكد الرابطة المغربية للمكفوفين وضعاف البصر أن الوزارة المستقلة المنشودة ينبغي أن تتبنى مقاربة حقوقية شاملة، تضمن الإنصاف بين مختلف أصناف الإعاقة، بما فيها الإعاقة البصرية والسمعية والحركية والذهنية وغيرها، بعيدًا عن التمييز أو إقصاء بعض الفئات من البرامج والدعم. كما يتعين أن تجعل التشغيل، ولا سيما تفعيل نسبة 7 في المائة في القطاع العام، والحماية الاجتماعية، والدعم المباشر، والولوجيات، والتعليم الدامج، والمشاركة السياسية، في صلب أولوياتها.
ولا ينبغي أن تتحول هذه الوزارة إلى مؤسسة إضافية تثقل الإدارة، بل يجب أن تكون آلية فعالة لتوحيد المسؤوليات وتجاوز تشتت الاختصاصات بين القطاعات الحكومية، مع اعتماد ميزانية واضحة، وبرنامج عمل محدد، وآليات للتشاور مع الهيئات الممثلة للأشخاص في وضعية إعاقة، وتقارير دورية تقيس ما تحقق على أرض الواقع.
إن نتائج البحث الوطني الثالث يجب ألا تبقى مجرد أرقام تتداولها الندوات والتصريحات الرسمية، بل ينبغي أن تتحول إلى منطلق لمراجعة السياسات العمومية، وتصحيح الاختلالات، ووضع أهداف قابلة للقياس، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة لا تتحقق بتعدد المؤسسات ولا بكثرة الوعود، وإنما بوجود إرادة سياسية واضحة، ومؤسسة حكومية قوية، وقرارات عملية تنقل الحقوق من النصوص إلى الواقع.
وعليه، تدعو المبادرة الوطنية و الرابطة المغربية للمكفوفين وضعاف البصر إلى فتح نقاش جدي حول إحداث وزارة مستقلة تعنى بشؤون الإعاقة بمختلف أصنافها، باعتبار ذلك خيارًا مؤسساتيًا يستحق الدراسة والتقييم، ويستهدف وضع حد للتشتت في تدبير هذا الملف، وإرساء سياسة عمومية مندمجة تضمن الإنصاف وتكافؤ الفرص والعيش الكريم.
فإلى متى سيظل الأشخاص في وضعية إعاقة ينتظرون؟ وإلى متى ستستمر الفجوة بين الالتزامات المعلنة والحقوق التي لم تصبح بعد واقعًا ملموسًا؟
لقد آن الأوان للانتقال من تدبير الإعاقة بمنطق البرامج المتفرقة إلى تدبيرها بمنطق الحقوق والمسؤولية والنتائج. فالعيش الكريم حق، والإدماج التزام، والانتظار لا يمكن أن يكون سياسة عمومية دائمة. إمضاءالمباراة الوطنية ل الدفاع عن حقوق المكفوفين وضعاف البصر و الرابطة المغربية للمكفوفين وضعاف البصر