الانتفاضة/ محمد جرو
بعد واقعة الهروب الجماعي المأساوي نحو سبتة المحتلة،و”إسقاط”لجنة العدل والتشريع،بالغرفة الدنيا للجارة اسبانيا ،قرار منح الصحراويين الجنسية،بتعديلات ناعمة،سيوافق عليها البرلمان بالغرفة الأولى ،أو يعود للنص الأصلي بأغلبية مريحة ،ونحن في بداية شهر ملف الصحراء الغربية المغربية،أكتوبر وقدأدرج مجلس الأمن الدولي ملف الصحراء المغربية كأحد أبرز المحاور الدبلوماسية المدرجة على جدول أعماله لشهر أكتوبر الجاري، وذلك عبر برمجة جلستين مغلقتين ومتتاليتين يومي 7 و8 من الشهر نفسه، في إطار التحضيرات الجارية لصياغة واعتماد القرار الأممي الجديد لتمديد ولاية بعثة “المينورسو”، والتي تنتهي صلاحيتها في 31 أكتوبر،تناوبت لجنة أخرى على منصة الغرفة الثانية،لتصادق الجنة المعنية بالمجتمعات ذاتية الحكم بمجلس الشيوخ الإسباني، صباح الخميس، على مقترح غير تشريعي يطالب الحكومة المركزية في مدريد بإعادة تفعيل فريق العمل المشترك لتحديد المجالات البحرية مع المملكة المغربية فوراً، إلى جانب السعي لانتزاع اعتراف دولي بجزر الكناري كـ”أرخبيل كامل الحقوق”،وهي المتاخمة لجبل تروپيك الذي ،دفع برئيس الولايات المتحدة الأمريكية،دونالد ترامب خلال ولايته الأولى،للإعتراف بمغربية الصحراء سنة 2020..لنستخبر عمق التاريخ ،ونعرف حقيقة الجبل ..
في أعماق المحيط الأطلسي، يقع جبل “تروبيك”، كنزٌ طبيعيٌّ يُشعلُ فتيلَ التنافسِ بين المغرب وإسبانيا. هذا الجبلُ البحريُّ، الواقعُ تحتَ المياهِ الإقليميةِ لجزرِ الكناري الخاضعةِ للسيادةِ الإسبانية، يُعدُّ من أهمِّ المناطقِ الغنيةِ بالمعادنِ النفيسة، ما يجعلهُ محورَ صراعٍ استراتيجيٍّ بين البلدين.
فقد تشكّلَ جبلُ تروبيكَ خلالَ العصرِ الطباشيريِّ نتيجةَ سلسلةٍ منَ الانفجاراتِ البركانيةِ قبلَ ملايينِ السنين. يقعُ الجبلُ على عمقٍ يتراوحُ بينَ 1000 و4000 مترٍ تحتَ سطحِ البحر، ويمتدُّ على مساحةٍ شاسعةٍ جنوبَ غربِ جزرِ الكناري، شمالَ الرأسِ الأخضر، وغربَ الصحراءِ المغربية.
و يكتنزُ تروبيكُ كمياتٍ هائلةً منَ المعادنِ الأساسيةِ كالتيلوريومِ والكوبالتِ والعناصرِ الأرضيةِ النادرة، التي تُستخدمُ في صناعاتِ الطاقةِ والتكنولوجيا المُتقدّمة.
وحظي المقترح، الذي تقدمت به المجموعة البرلمانية التعددية وصاغه السيناتور أنيسيتو خافيير أرماس غونزاليس، بتأييد واسع بعد التوافق على تعديلاته؛ إذ صوّت لصالحه 35 عضواً، مقابل رفض 18 صوتاً، وامتناع عضو واحد عن التصويت.وتواصل اللجنة ،وبعض أعضاء مجلس الشيوخ،الضغط على حكومة بيدرو سانشيز ،لفتح ملف مفاوضات حول ترسيم الحدود البحرية بينها وبين المملكة المغربية.
ويدعو نص المبادرة قصر “المونكلوا” (رئاسة الحكومة الإسبانية) إلى استئناف المفاوضات البحرية المجمدة مع الرباط، مع التشديد على ضرورة إشراك ممثلين عن حكومة جزر الكناري ذاتية الحكم بشكل ملموس وفعال في طاولة الحوار، تماشياً مع ما ينص عليه نظام الحكم الذاتي للكناري لعام 2018 والاتفاقات السياسية السارية.كما شددت المذكرة على البعد القانوني للملف، مطالبة مدريد بالتحرك دولياً بموجب المادة 46 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لترقية الوضع القانوني للكناري دولياً لتُعامل كـ”أرخبيل موحد ومكتمل الحقوق السيادية”، وليس مجرد جزر متفرقة، وهو ما يدعم المطلب الإسباني المودع لدى الأمم المتحدة منذ مايو 2009 لتوسيع المنطقة الاقتصادية الخالصة غرب الجزر، في ظل غياب ترسيم نهائي متوافق عليه حتى الآن مع الجانب المغربي.
يذكر في هذا الصدد،أن التنافسُ على جبلِ تروبيكَ بدأ يظهرُ جليًّا في عام 2014، عندما قدّمت إسبانيا طلبًا رسميًّا للأممِ المتحدةِ لتوسيعِ حدودِ جرفِها القاريِّ ليشملَ هذا الجبل.
وردَّ المغربُ في عام 2020 بإعلانِ نيّتِهِ توسيعَ مياهِهِ الإقليميةِ ليشملَ مناطقَ قريبةً من تروبيكَ جنوبَ جزرِ الكناري، ما أثارَ قلقًا بالغًا لدى الحكومةِ الإسبانية، خشيةَ تهديدِ مصالحِها في السيطرةِ على هذهِ المواردِ الاستراتيجية،لذلك سارع ترامب للإعتراف بمغربية الصحراء،قاطعا الطريق ،ولو مؤقتا على “الحليف العدو” الإسباني ..
ورغمَ ذلك، شهدتِ المفاوضاتُ بينَ البلدينِ تقدُّمًا نسبيًّا، حيثُ يسعى الطرفانِ للتوصلِ إلى اتفاقٍ حولَ ترسيمِ الحدودِ البحريةِ بشكلٍ يُراعي مصالحَ وحقوقَ كلا الطرفين.
و تحملُ هذهِ المحادثاتُ أهميةً كبيرةً على المستويينِ الإقليميِّ والدوليِّ، وقد تُشكّلُ نقطةَ تحوّلٍ في العلاقاتِ الثنائيةِ بينَ المغربِ وإسبانيا.
لا تقتصرُ أهميةُ جبلِ تروبيكَ على ثرواتِهِ المعدنيةِ فقط، بل تتعدّاها إلى قيمتِهِ البيئيةِ الفريدة. تُشيرُ التقاريرُ إلى ضرورةِ اتّباعِ معاييرَ بيئيةٍ صارمةٍ في أيِّ نشاطِ تعدينٍ في المنطقةِ لضمانِ عدمِ إلحاقِ أضرارٍ لا يُمكنُ إصلاحُها بالنظمِ البيئيةِ البحرية.
و يُعدُّ هذا الجانبُ من أهمِّ جوانبِ النزاعِ، حيثُ يُمكنُ للمشروعاتِ التعدينيةِ في المنطقةِ أنْ تُخلّفَ آثارًا بعيدةَ المدى على التنوعِ البيولوجيِّ.
و يحتوي جبلُ تروبيكَ على التيلوريوم، وهو معدنٌ أساسيٌّ في صناعةِ الألواحِ الشمسيةِ والأجهزةِ الإلكترونيةِ المُتطورة، ما يُعزّزُ أهميتَهُ بشكلٍ كبير.
و منَ المتوقعِ أنْ يلعبَ هذا العنصرُ دورًا حاسمًا في تحقيقِ أهدافِ الطاقةِ المُتجدّدةِ ضمنَ “أجندةِ 2030”. كما أنَّ امتلاكُ هذا الموردِ يُمكنُ أنْ يُؤهّلَ أيَّ دولةٍ لريادةِ تطويرِ تقنياتِ الطاقةِ النظيفة.
تأملُ إسبانيا، الساعيةُ للاستفادةِ من هذا المورد، في الجمعِ بينَ الاستغلالِ المُستدامِ لهذهِ الثرواتِ والحفاظِ على البيئة. أمّا بالنسبةِ للمغرب، فيُمثّلُ جبلُ تروبيكَ فرصةً هائلةً لتعزيزِ مكانتِهِ في الاقتصادِ الأخضرِ وتحقيقِ أهدافِ التنميةِ المُستدامة.
إنَّ النزاعَ على جبلِ تروبيكَ ليسَ مُجرّدَ قضيةٍ دبلوماسية، بل هوَ أيضًا مسألةٌ استراتيجيةٌ تهمُّ الاقتصادَ الأخضرَ والتكنولوجيا النظيفة. تكتسبُ السيطرةُ على هذا الجبلِ أهميةً مُتزايدةً في ظلِّ التحوّلِ العالميِّ نحو استخدامِ تقنياتِ الطاقةِ المُتجدّدةِ والمعادنِ النادرة.
و منَ المتوقعِ أنْ تُحدّدَ نتائجُ هذا النزاعِ ملامحَ العلاقاتِ المُستقبليةِ بينَ المغربِ وإسبانيا، بالإضافةِ إلى تأثيرِها على تحوّلاتِ الطاقةِ والاقتصادِ في المنطقة.
ولم تُخفِ الوثيقة البرلمانية الدوافع الحقيقية وراء هذا الاستعجال؛ حيث ربطته بشكل مباشر بالأهمية الإستراتيجية لاكتشاف ثروات باطنية هائلة بالقرب من قمة “جبل تروبيك” (Monte Tropic) الغارق في المحيط الأطلسي، على بعد نحو 250 ميلاً من جزر الكناري، وفي منطقة تداخل بحري شديدة الحساسية مع المغرب.
وأشارت المذكرة إلى احتواء هذا الجبل البركاني على احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة، وفي مقدمتها “التيلوريوم” و”الكوبالت”، وهي عناصر لا غنى عنها في الصناعات المستقبلية مثل بطاريات السيارات الكهربائية والألواح الشمسية ومشاريع التحول الطاقي.
ويضع هذا القرار البرلماني حكومة بيدرو سانشيز أمام ضغط داخلي جديد لإحياء ملف الترسيم البحري المعقد مع المغرب ،وهو الملف الذي يتطلب توازناً دقيقاً بين حماية المصالح الاقتصادية والأمنية الإسبانية، والحفاظ على الشراكة الإستراتيجية المتقدمة التي تجمع مدريد بالرباط، في ظل سباق صامت تفرضه خرائط الثروات الغارقة في أعماق الأطلسي.
وحذرت الوثيقة من الهيمنة الصينية المتنامية على سلاسل إمداد الأتربة النادرة عالمياً، معتبرة أن بسط السيطرة الإسبانية والأوروبية على مياه جبل تروبيك بات أمراً حاسماً لتنويع الإمدادات الأوروبية من المواد الخام الحيوية وضمان استقلاليتها التكنولوجية في مواجهة القوى الكبرى.