الانتفاضة / سيداتي بيدا
لم تكن مدينة الداخلة، مساء الأربعاء، على موعد مع جــــريمة جـــــــنائية عادية، بل مع فاجــــعة إنسانية هزّت الضمير الاجتماعي وكسرت آخر ما تبقى من قدسية الروابط الأسرية. ففي لحظة كان الأب يبحث فيها بلهفة عن طفله المختفي، متشبثًا بخيط أمل في أن يعود سالمًا، كانت الحقيقة تنسج في مكان آخر، أكثر ظلمة ووحشـــية، حيث انتهت براءة طفل لم يتجاوز التاسعة من عمره تحت ضـــــربات الغدر، وعلى يد شخص لم يكن غريبًا عنه، بل عمه.
أي مأساة يمكن أن تكون أشد قسوة من أن يتحول من يفترض أن يكون مصدرًا للحماية والحنان إلى قاتــــــل بدم بارد؟ وأي انهيار أخلاقي يدفع إنسانًا إلى استدراج طفــل بريء، ثم الإجهاز عليه بســـلاح أبيــــض، قبل أن يحاول إخفاء معالم جريمـــــــته في منطقة خلاء وكأن روحًا بريئة لا تساوي شيئًا؟
إن ما وقع ليس مجرد جـــــريـــمة قـــتـــل عــمـــد، بل صورة مرعبة لانهيار القيم، وانتصار الحقد على صلة الرحم، وتجسيد صادم لوحشــــــية لا يمكن تبريرها بأي خلاف عائلي أو نزاع شخصي. فالخلافات، مهما بلغت حدتها، لا تمنح أحدًا حق إراقــــة دم طفل، ولا تحول الانتقام إلى مبرر لارتكاب جــــــريمة بهذه البشـــــاعة.
لقد أصبحت هذه الواقعة ناقوس خطر يدق بقوة داخل المجتمع المغربي، لأنها تكشف أن العنـــــــف لم يعد يقتصر على الغرباء أو عصابـــــات الإجــــرام، بل بات يتسلل إلى أكثر الفضاءات أمانًا، داخل الأسرة نفسها. وعندما يصبح الطفل مهددًا ممن يفترض أنهم أقرب الناس إليه، فإن الأمر يتجاوز حدود الجــــــريمة الفردية إلى أزمة قيم تستوجب وقفة جماعية ومسؤولية مشتركة.
ومع مباشرة المصالح الأمنية أبحاثها تحت إشراف النيابة العامة المختصة، فإن الرأي العام ينتظر أكثر من كشف ملابسات القضية. إنه ينتظر عدالة حازمة، لا تعرف التهاون، وعدالة تعيد للمجتمع ثقته بأن القانون يقف سدًا منيعًا أمام كل من يستهين بحرمة الحياة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال.
إن حماية الطفولة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل مسؤولية تفرض أن تكون العقوبات في مثل هذه الجـــــرائم رادعة، وأن يُبعث برسالة واضحة مفادها أن كل من يعتــــــــدي على طفل أو يستغل روابط الدم لارتكاب جـــــــريمة، سيواجه كامل صرامة القانون دون تردد.
رحل الطفل يحيى، لكن قضيته ستظل جرحًا مفتوحًا في ذاكرة الداخلة، وشاهدًا مؤلمًا على أن أبشع الجـــــرائم ليست دائمًا تلك التي يرتكبها الغرباء، بل تلك التي تخرج من داخل الأسرة نفسها، حين يسقط الإنسان في هاوية الحقد، ويستبدل الرحمة بالقسوة، والقرابة بالخيانة، والإنسانية بالوحــــشية.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تقول العدالة كلمتها الحاسمة، لا انتقامًا، بل حمايةً للمجتمع، وإنصافًا لطفولة اغتـــــيلت ظلمًا.