الانتفاضة / محمد جرو
أصدر المكتب الجهوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان،مراكش آسفي ،بلاغا شديد اللهجة توصلنا بنسخة منه ،حول “اختلالات “مشروع مؤسسات الريادة الذي أطلقته وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.واعتبرت أكبر منظمة حقوقية بالمغرب ،المشروع “تبديدا للموارد العمومية ،على حساب الحق في تعليم عمومي جيد وحقوق الشغيلة التعليمية “.
وقال ذات البلاغ ،والخطير بحسب بلاغ المكتب الجهوي ،لرفاق سعاد لبراهمة،”أن الدولة ممثلة في وزارة الاقتصاد والمالية،لجأت لإقتراض مبلغ 750 مليون دولار من البنك الدولي ،بدعوى دعم اصلاح التعليم “يقول البلاغ الحقوقي ،وتنزيلا لما اسمته وزارة محمد سعد برادة،”تنزيل خارطة طريق 2022/2026 ،على الرغم من تخصيص ميزانية ضخمة لنفس الوزارة ،في قانون المالية لموسم 2025/2026 ،بلغت بحسب ذات المصدر ،حوالي 117مليار درهم ،منها 20 مليار مخصصة للإستثمار ..
وأضاف ذات البلاغ ،أن ذلك خصص لمشروع مايسمى “مؤسسات الريادة ” ،بيد أنه تضيف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان،”لم يوازيه أثر ملموس على تحسين شروط التمدرس وجودة التعلمات”.ووقفت المنظمة الحقوقية ،وهي تفتت هذه “الإختلالات “عند أن نسبة تنفيذ عدد من الصفقات المتعلقة بالبنيات والتجهيزات لم تتجاوز 60% من الأهداف المعلنة، كما رصدت اختلالات مرتبطة بالتجهيز الرقمي والتغذية المدرسية وعدم احترام دفاتر التحملات والمواصفات المطلوبة. كما يثير تخصيص 3.5 مليار درهم لفائدة مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين”،مما يسجل استمرار عطابة التدبير والحكامة ،وتؤكد من جهة أخرى أن جوهر الأزمة لا يكمن في ضعف التمويل بقدر ما يكمن في سوء تدبير الموارد العمومية، وغياب الشفافية والمساءلة، واستمرار منطق الارتجال والتجريب على حساب المدرسة العمومية.
فقد سجلت تقارير مؤسسات الرقابة العمومية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات.
وأضاف بلاغ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لجهة مراكش آسفي ،وهو يسرد مظاهر “الإختلالات “في نفس المشروع ،وانطلاقًا من تتبعها الميداني والحقوقي لمشروع “الريادة” منذ انطلاقه، وقفت الجمعية على فجوة صارخة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش داخل المؤسسات التعليمية. فالمعطيات الرسمية ذاتها تؤكد استمرار الهدر المدرسي بمعدلات مقلقة، حيث بلغت نسبته خلال الموسم الدراسي 2025-2026 حوالي 5.3% في التعليم الابتدائي و12% في التعليم الإعدادي، في حين تجاوزت نسب التكرار 15% في عدد من المؤسسات الإعدادية”. إلى جانب كل هذا قال بلاغ الجمعية الحقوقية ، “أن أزمة التعلمات ما تزال قائمة، إذ تشير تقارير وطنية ودولية إلى أن حوالي 60% من الأطفال المغاربة في سن العاشرة لا يستطيعون قراءة نص بسيط وفهمه. وهي مؤشرات تؤكد أن ما يجري ليس إصلاحًا حقيقيًا لمنظومة التربية والتكوين، بل إعادة إنتاج للأزمة تحت غطاء مشاريع ممركزة ومكلفة ماليًا، تُقدَّم للرأي العام كحلول جاهزة”.
وترى المنظمة الحقوقية ،أن هشاشة النتائج التعليمية “تُستعمل ذريعة لتمرير مقاربات تدبيرية ذات منطق مقاولاتي تُفرغ المدرسة العمومية من وظيفتها الاجتماعية والحقوقية”.
وقد سجلت الجمعية، من خلال معطياتها الميدانية بمختلف أقاليم الجهة، “اختلالات خطيرة في تنظيم التكوينات الخاصة بمشروع الريادة، بما يمس كرامة نساء ورجال التعليم وحقوقهم الأساسية” ومن بين نماذج هذه “الإختلالات”بحسب الجمعية “ففي إقليم الرحامنة، وخاصة بحوض سيدي بوعثمان، يضطر عدد من الأستاذات والأساتذة إلى التنقل نحو مركز التكوين الوحيد بالإقليم من مسافات تتجاوز 80 كيلومترًا، كما هو الشأن في مراكش حيث يتم، مرة أخرى، اللجوء إلى مؤسسات تعليمية خصوصية تبعد بأكثر من 34 كيلومترًا عن مقرات عمل عدد من الأطر التربوية”
. وأضاف بلاغ الجمعية ،بأنه “يجري هذا التكوين في فضاءات غير ملائمة، وأحيانًا داخل قاعات مكتظة أو فضاءات مخصصة للتعليم الأولي والحضانة، بما يضاعف أعباء التنقل والكلفة المادية والإرهاق الجسدي والنفسي، خاصة في ظل موجات الحرارة المرتفعة والنشرات الإنذارية الصادرة عن مديرية الأرصاد الجوية. كما أن برمجة هذه التكوينات تمت في تجاهل تام لحركية نساء ورجال التعليم، ودون مراعاة نتائج الحركات الانتقالية الوطنية والجهوية والمحلية، بما يعكس ارتجالًا واضحًا وغيابًا لأي تخطيط عقلاني يحترم شروط العمل اللائق”.
وتؤكد الجمعية أن “تعدد التكليفات المفروضة على الأطر التربوية والإدارية خلال فترة زمنية ضيقة يكشف حجم العبث الذي يطبع تدبير هذا الورش. إذ يتم تكليف بعض الأستاذات والأساتذة، في الآن نفسه، بالحراسة في الامتحانات الإشهادية، والحضور بمراكز التكوين، ثم الالتحاق بمراكز التصحيح، بما ينتج عنه إنهاك مهني وزمني غير مبرر. وقد بلغ الارتباك حد تكليف بعض رؤساء مراكز الامتحانات بمهام رئاسة مراكز التصحيح في اليوم نفسه، وهو ما يعكس غيابًا تامًا للتنسيق والتدبير الرشيد”. كما رصدت الجمعية ،من خلال بلاغها،”ارتباكًا واضحًا خلال الامتحانات الجهوية للسنة الثالثة إعدادي نتيجة عدم التمييز بين تلاميذ مشروع الريادة وتلاميذ المسار الدولي، بما ترتب عنه من فوضى تنظيمية ومساس بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين المتعلمين والمتعلمات”.
كما وقفت الجمعية على “اختلالات فادحة في اعتماد مؤسسات ضمن مشروع الريادة رغم افتقارها إلى الحد الأدنى من الشروط التربوية والبنيوية. فقد تم إدراج مؤسسات ما تزال تضم قاعات من البناء المفكك كان من المفترض هدمها وتعويضها منذ سنوات، غير أنه جرى الاكتفاء بتركيب بعض التجهيزات بها وصباغتها لتُقدَّم باعتبارها فضاءات مؤهلة. كما تم اعتماد مؤسسات تفتقر إلى مرافق صحية لائقة أو توجد مرافقها في وضعية كارثية، فضلاً عن مؤسسات لا تتوفر على شروط أساسية من قبيل الماء والكهرباء والربط بالأنترنت والتجهيزات الضرورية”
الشيء الذي اعتبرته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان “يشكل استخفافًا صريحًا بحقوق التلاميذ والتلميذات ونساء ورجال التعليم، ويؤكد أن المشروع، بدل أن يقلص الفوارق المجالية والاجتماعية، يكرسها ويعيد إنتاجها تحت مسميات جديدة”.
من جهة أخرى ،وبحسب لغة نفس بلاغ المنظمة الحقوقية ،”قد سجلت الجمعية تكرار هذه الاختلالات في عدد من أقاليم الجهة، من بينها مراكش والرحامنة وقلعة السراغنة وشيشاوة وآسفي واليوسفية، حيث تتكرر المظاهر ذاتها” وددت ذلك الجمعية في “بعد مراكز التكوين عن مقرات العمل، ضعف التجهيزات، غياب الربط الرقمي، تعدد التكليفات، والاستخفاف بشروط السلامة والراحة والكرامة المهنية”. إلى جانب تسجيلها “لحالات أُجبر فيها تلاميذ وأطر تربوية على البقاء إلى ساعات متأخرة من يوم الأحد داخل بعض المؤسسات في إطار ما يسمى “الدعم الممتد”، في غياب شروط السلامة والتنظيم واحترام الزمن المدرسي والحق في الراحة، وهو ما يطرح بجدية سؤال حماية الأطفال وحماية الأطر التربوية من الاستنزاف والاستغلال”.
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – جهة مراكش آسفي ختمت بلاغها باعتبار مايجري في قطاع التعليم “لا يمكن فصله عن الخلفية السياسية والاقتصادية التي تؤطر ما يسمى بالإصلاحات التربوية، والمتمثلة في إخضاع السياسات العمومية التعليمية لإملاءات المانحين الدوليين والخبراء الأجانب ومنطق السوق. فبدل التعامل مع التعليم باعتباره حقًا أساسيًا وخدمة عمومية ومجالًا لصناعة المواطنة والعدالة الاجتماعية، يجري توجيه المناهج والبرامج والتمويلات بما يخدم حاجيات المقاولة ورأس المال والطلب الآني لسوق الشغل، مع تهميش العلوم الإنسانية والاجتماعية وإضعاف الوظيفة التحررية والتنويرية للمدرسة”.
لذلك تعتبر المنظمة الحقوقية ذلك كله يدخل في “توجه يختزل المتعلم في مورد بشري قابل للتكييف مع حاجات السوق، ويحول الأستاذة والأستاذ إلى مجرد منفذ لتعليمات تقنية ومسطرة بيروقراطية، بدل اعتباره فاعلًا تربويًا وشريكًا في بناء مشروع تربوي ديمقراطي منصف”.
كما تسجل الجمعية أن “البيروقراطية البيداغوجية المرتبطة بمشروع الريادة أصبحت عبئًا إضافيًا على الأطر التربوية، من خلال الإغراق في الوثائق والمطبوعات والمؤشرات الشكلية، بما يستنزف الزمن المدرسي والجهد المهني على حساب الفعل التربوي الحقيقي، ويعمق الفوارق بين المؤسسات بحسب الإمكانيات المحلية المتاحة لها. فاعتماد عدة موحدة ومقاربات ممركزة لا تراعي الخصوصيات المجالية والاجتماعية والثقافية والمناخية للمناطق، يجعل المشروع أداة لإعادة إنتاج التفاوتات بدل معالجتها، خصوصًا بين المؤسسات التي تستفيد من جمعيات دعم نشيطة وإمكانات إضافية، وبين المؤسسات الهشة في العالم القروي أو الأحياء الشعبية”
أخيرا أدانت الجمعية في 9 نقط مطالبة الجهات المسؤولة بتحمل مسؤولياتها،لأن” هذه الاختلالات والممارسات تتعارض بشكل واضح مع الالتزامات الدستورية والدولية للمغرب، وعلى رأسها الفصل 31 من دستور 2011 الذي يلزم الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، كما تتعارض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خاصة المادة 13 منه، التي تكرس الحق في التعليم باعتباره حقًا شاملاً يقتضي الإتاحة والجودة والمساواة وعدم التمييز. كما تتنافى مع مقتضيات القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الذي ينص على مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة والحكامة والشفافية، ومع القواعد المؤطرة للصفقات العمومية التي تفرض النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المال العام”.