مركز تنمية جهة تانسيفت يقدم حصيلة مشروع رائد للنهوض بالتعليم الأولي

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

يشكل التعليم الأولي أحد أهم المداخل الأساسية لبناء منظومة تربوية قوية وقادرة على إعداد أجيال مؤهلة لمواجهة تحديات المستقبل، وهو ما جعل المغرب يضع هذا الورش ضمن أولوياته الاستراتيجية في إطار إصلاح منظومة التربية والتكوين. وفي هذا السياق، يحتضن فضاء مدينة اللغات والثقافات التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش، يوم الأربعاء فاتح يوليوز 2026، ندوة رفيعة المستوى ينظمها مركز تنمية جهة تانسيفت تحت عنوان “التعليم الأولي في المغرب: بين الطموح الوطني والواقع الترابي”، وذلك في خطوة تروم تقييم تجربة ميدانية رائدة، وفتح نقاش موسع حول سبل تطوير التعليم الأولي، خاصة بالمناطق القروية والهشة.

وتأتي هذه الندوة في سياق خاص يتزامن مع اختتام مشروع نموذجي أشرف على تنفيذه مركز تنمية جهة تانسيفت منذ سنة 2023، بدعم من مديرية التعاون الدولي لإمارة موناكو، وبشراكة مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش آسفي، من خلال المديريتين الإقليميتين للحوز واليوسفية، إضافة إلى المدرسة العليا للأساتذة التابعة لجامعة القاضي عياض. ويهدف هذا المشروع إلى إرساء نموذج حديث للتعليم الأولي يقوم على الجودة والإنصاف المجالي، ويستجيب لحاجيات الأطفال في المناطق القروية التي تعاني من محدودية الخدمات التربوية.

وقد تمكن المشروع، خلال سنوات تنزيله، من تحقيق نتائج ملموسة انعكست بشكل مباشر على ظروف تمدرس الأطفال المستفيدين، حيث استفاد سنويا حوالي 300 طفل موزعين على عشرة أقسام للتعليم الأولي بإقليمي الحوز واليوسفية. ولم يقتصر التدخل على توفير فضاءات لاستقبال الأطفال، بل شمل تجهيز الأقسام بالوسائل التعليمية الحديثة، وتوفير الألعاب التربوية والكتب واللوازم المدرسية، إلى جانب تهيئة فضاءات اللعب الخارجية بما يتيح للأطفال بيئة تعليمية متكاملة تساعدهم على التعلم والاكتشاف في ظروف ملائمة.

كما أولى المشروع أهمية كبيرة للأنشطة الموازية باعتبارها جزءا أساسيا من عملية التعلم، حيث تم تنظيم برامج ترفيهية ورحلات استكشافية مكنت الأطفال من الانفتاح على محيطهم واكتساب مهارات جديدة، فضلا عن خلق فضاءات للتفاعل الاجتماعي وتعزيز الثقة بالنفس، وهي عناصر تشكل جزءا لا يتجزأ من فلسفة التعليم الأولي الحديثة التي تعتمد التعلم من خلال اللعب والتجربة.

ولأن جودة التعليم الأولي ترتبط بشكل وثيق بكفاءة الأطر التربوية، فقد خصص المشروع جانبا مهما لتكوين المربيات، عبر تنظيم دورات تكوينية مستمرة هدفت إلى تطوير معارفهن ومهاراتهن البيداغوجية، وتعزيز قدراتهن على اعتماد أساليب تربوية حديثة تراعي الخصوصيات النفسية والعمرية للأطفال. ويعد الاستثمار في تكوين المربيات من بين أهم ركائز نجاح أي برنامج للتعليم الأولي، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به المربية في مرافقة الطفل خلال سنواته الأولى، التي تعتبر مرحلة حاسمة في بناء شخصيته وتنمية قدراته الإدراكية والاجتماعية.

ولم يغفل المشروع أهمية إشراك الأسر في العملية التربوية، إذ تم تنظيم برامج للتوعية والدعم النفسي لفائدة الآباء والأمهات، بهدف تعزيز وعيهم بأهمية التعليم الأولي ودورهم في مواكبة المسار التعليمي لأبنائهم. كما تم الحرص على ضمان المتابعة الصحية الدورية للأطفال، في مقاربة شمولية تعتبر أن نجاح العملية التعليمية يرتبط أيضا بالحفاظ على صحة الطفل الجسدية والنفسية، وتوفير الظروف الملائمة لنموه السليم.

ومع وصول المشروع إلى مرحلته الختامية، أسند مركز تنمية جهة تانسيفت مهمة التقييم النهائي إلى مكتب خبرة مستقل، بهدف إجراء تقييم موضوعي وشامل يقيس مدى تحقيق الأهداف المسطرة، ويحدد نقاط القوة ومجالات التطوير، فضلا عن استخلاص الدروس المستفادة من هذه التجربة الميدانية. ومن المنتظر أن تشكل الندوة مناسبة لتقديم نتائج هذا التقييم أمام مختلف الفاعلين، بما يتيح تبادل الخبرات وتقديم توصيات عملية يمكن أن تسهم في تطوير السياسات العمومية الخاصة بالتعليم الأولي.

وتكتسي هذه الندوة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المشاركين فيها، حيث ستعرف حضور أكاديميين وخبراء في التربية، وممثلين عن المؤسسات العمومية، وشركاء دوليين، وفاعلين ميدانيين، وصناع قرار، بما يوفر فضاء للنقاش حول واقع التعليم الأولي بالمغرب، والتحديات التي تواجه تعميمه وتحسين جودته، خاصة في العالم القروي، الذي لا يزال يعاني من تفاوتات مجالية تؤثر على تكافؤ الفرص بين الأطفال.

ويجمع المتدخلون على أن توسيع العرض الخاص بالتعليم الأولي يظل خطوة مهمة، غير أن تحقيق الأهداف الوطنية يتطلب الانتقال إلى مرحلة جديدة يكون فيها التركيز على جودة الخدمات التربوية، وتأهيل الموارد البشرية، وتحسين البنيات التحتية، وتوفير الوسائل التعليمية الملائمة، إضافة إلى اعتماد آليات للتتبع والتقييم المستمر بما يضمن استدامة النتائج وتحقيق الأثر المنشود على المدى الطويل.

كما تبرز التجربة التي راكمها مركز تنمية جهة تانسيفت أهمية الشراكات متعددة الأطراف في إنجاح المشاريع التنموية، إذ ساهم التعاون بين المؤسسات الوطنية والهيئات الدولية والجامعة المغربية في بلورة نموذج متكامل يجمع بين الخبرة الأكاديمية والدعم المؤسساتي والعمل الميداني، وهو ما يعزز فرص تعميم الممارسات الفضلى على مناطق أخرى تعرف ظروفا مشابهة.

ويعتبر التعليم الأولي اليوم أحد أبرز المؤشرات المعتمدة دوليا في قياس جودة الأنظمة التعليمية، لما له من أثر مباشر على المسار الدراسي للأطفال في المراحل اللاحقة، إذ تؤكد الدراسات التربوية أن الأطفال الذين يستفيدون من تعليم أولي جيد يحققون نتائج أفضل في التحصيل الدراسي، ويكونون أكثر قدرة على الاندماج الاجتماعي وتنمية مهارات التفكير والتواصل، مقارنة بأقرانهم الذين لم يستفيدوا من هذه المرحلة.

وفي المغرب، يشكل تعميم التعليم الأولي أحد الأوراش الكبرى التي تحظى بعناية خاصة في إطار تنزيل الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التربية والتكوين، حيث تم تحقيق تقدم مهم خلال السنوات الأخيرة على مستوى رفع نسب التمدرس، غير أن التحدي الأكبر يظل مرتبطا بضمان الجودة والإنصاف المجالي، حتى يستفيد جميع الأطفال، بمختلف جهات المملكة، من تعليم أولي يستجيب للمعايير التربوية الحديثة.

ومن هذا المنطلق، تكتسب تجربة مركز تنمية جهة تانسيفت أهمية باعتبارها نموذجا عمليا يبرز إمكانية تحقيق نتائج ملموسة عندما تتوفر الإرادة، وتحسن آليات الحكامة، ويتم الاستثمار في العنصر البشري، مع اعتماد مقاربة تشاركية تضع الطفل في صلب الاهتمام، وتعتبر الأسرة والمجتمع المحلي والمؤسسات التعليمية شركاء في بناء مسار تربوي متكامل.

ومن المنتظر أن تخرج الندوة بجملة من التوصيات التي من شأنها المساهمة في تطوير التعليم الأولي بالمغرب، سواء على مستوى تحسين آليات التمويل، أو تعزيز تكوين المربيات، أو توسيع نطاق الشراكات، أو اعتماد نماذج مبتكرة للتدبير والتقييم، بما يضمن استدامة المشاريع وتحقيق أثرها على المدى البعيد.

ويؤكد مركز تنمية جهة تانسيفت، من خلال هذه المبادرة، استمرار التزامه بجعل التعليم الأولي في صلب أولوياته الاستراتيجية، انطلاقا من قناعته بأن الاستثمار في الطفولة المبكرة يمثل استثمارا في مستقبل المجتمع بأكمله. فكل تجربة ناجحة في هذا المجال تشكل لبنة إضافية في بناء مدرسة عمومية أكثر جودة وإنصافاً، وتسهم في إعداد جيل يمتلك المهارات والقيم التي تمكنه من المشاركة الفاعلة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.

وتبقى الندوة المرتقبة بمراكش محطة مهمة لتقييم تجربة ميدانية واعدة، ولتجديد النقاش حول مستقبل التعليم الأولي بالمغرب، في أفق بلورة سياسات أكثر نجاعة واستدامة، قادرة على تقليص الفوارق المجالية، وتعزيز تكافؤ الفرص، وضمان حق كل طفل في تعليم أولي جيد يشكل الانطلاقة الحقيقية لمسار تعليمي ناجح، ويواكب الطموحات الوطنية الرامية إلى بناء منظومة تربوية حديثة تجعل من جودة التعلمات أساسا للتنمية البشرية الشاملة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.