الانتفاضة / محمد جرو
زغردي يا أمي يا أم الثوار / زغردي فأرضنا حبلى بالأحرار.
زغردي فالفجر دم ونار / زغردي تسمعك كل الأطيار..
أنا حر، مناضل، فخور / بين الأحرار بين الأحرار
* إشهد يا حزيران في يومك العشرين
وطني أنار الدرب والنصر مشتعل…
* لقد صرخت في عرقنا الدما / نموت نموت ويحيا الوطن..
أنا الآن بين مئات الرفاق / أنا الآن أشعر أني قوي وأني سأهزم السجان والفاسد في وطني ..
لاشك أننا تسترجع يوم العشرين من حزيران بحرقة ومرارة ،وأمل كذلك في غد أفضل ..فقد كان يومَا عنوانه إضراب وطني عام ،إحتجاجا على أوضاعنا العامة ،المتسمة بغلاء ولهيب أسعار ،ماأشبه الأمس باليوم ،مع روتوشات على لوحة وطني الممزق بين كماشة “فراقشية”وجشع حكومة لاهم لهاإلا مراكمة أموال الشعب ..فقد التأمت الحشود آنئذ وصدحت ملء حناجرها تهتف بما اتُّفِقَ عليه من شعارات، وكلّها انضباط وامتثال. في الجهة الأخرى، تربض قوات الردع قلقةً،مرتبكة تراقب انسياب سيل المتظاهرين الذي أمطر بشراً وراح يكبر ويتزايد بفضل الإمدادات البشرية التي يتلقاها من مسارب حي البرنوصي المجاهد من عاصمة النضال القلعة البيضاوية التي اسودت عبر التاريخ ..لم تتوقف سيول المشاركين عن التدفّق إلى الشارع من كل زقاق ودرب اتسع عرضه أو ضاق.
غصّ الشارع عن آخره بمن نزلوا، سرعان ما بدأ يلوح لون حافلة زرقاء (طوبيس)، أجج الحشود ينذر باشتعال شرارة وفتيل مواجهة غير محسومة،بحيث انطلق التلاسن بحِدّة أعقبه الرشق بالحجارة،من الجموع التي لم ينفع معها تدخل الوقاية المدنية ولا هراوة المخزن Mobil. ووصلت أخبار عن اندلاع وتطاير الشرارة لباقي أحياء الدار البيضاء،من البرنوصي الحي العمالي بامتياز وقتئذ،و تقوَّت العزائم وزادت حدة الحناجر بأقصى ما في جَهدها، إلى درجة أن المتظاهرين “ظنوا وأحسوا”,وكان النصر قريب ..فيما القوات توارت مُتمَتْرسةً وراء آلياتها تراقب ،وتنتظر “التعليمات”,لتنقض وتنتهز الفرصة، وتترقّب كلّ شيء بحِذْر وتحفّز متحسّبة لمفاجآت قد تقع،لسان حالها يقول ،”وماكانت على البال “، فوقود المظاهرة أكيد اندلع من محطة مولاي بوعزّة بالأطلس المتوسط..
رغم البعد ،وقلة الإمكانيات والآليات المساعدة على التواصل ،ووصول المعلومة ،الا أنني ومن هناك بالطنطان المجاهدة ،التي خرجت لتوها من “ثورة”شباب بعد أحداث 72 محليا ،وانقلابين فاشلين متتاليين 71/72 ،وبشكل متماه مع أحداث الوطن ،ونحن بعد في مستهل الدراسة الثانوية (السادسة ثانوي بتوقيت الثمانينات)متشبع ونهم على الفلسفة وفك طلاسمها ،ورفقة ثلة أو كما سمانها مدير الثانوية ،”أنتم زبدة المؤسسة”وقد بدأت في “تحريض”رفاقي /زملائي على العصيان ،نتيجة تغيير المدير الراحل المتحدر من قبيلة أيتوسى علي بوفوس ،أو كما نسميه بأعدادية الطنطان “الداه”بالحسانية الوالد أو الأب ،وقد كان ضابطا لكل صغيرة وكبيرة ،ليس فقط بالإدارة ،بل في داخلية المؤسسة ..
نقل “الداه”وحل محله الأستاذ المدير حمادي شرف الدين ،الذي اوقفنا بمدخل الثانوية ،ليسلم علينا وينعتنا ب”زبدة”،شخصيا كنت في سياق أحداث الدار البيضاء ،وبداية الاستماع للأغاني الثورية ،مارسيل قعبور خليل الهبر ،الى جانب الغيوان ولمشاهب ،حيث كنت استغل كل فرصة سفر ،لأصحب معي كتبا وشرائط الزمن الثوري الجميل ..
ومن الجهة الأخرى ،طبعا كانت المطاردات وسؤال الهوية (لكارط ناسيونال)وهو مازاد من منسوب الرفض والتحريض والاحتجاج في دواخلي ،جر علي مشاكل جمة واستنطاقات وو.و وعلقة من الوالد شافاه الله واطال في عمره ،رغم تكتم و”رضاة” الوالدة التي تحملت نتيجة تكتمها عن بروز “مشاغب وثوري”وسط عائلة ،أنا بكرها وفي وقت اندلاع حرب الصحراء المغربية واشتداد المواجهات ،علقة “بالصمطة”العسكرية الغليظة،التي انهالت على جسد عليل ،بدأ يدخن رغم توجهي نحو الرياضة ،ومنتخبات الاعدادية والثانوية ،بيد أن ذلك كان للتغطية على بعض من أنشطتي السياسية والحزبية والنقابية ،التي لم أكن أدركها إلا بعد حين ..
“شهداء كوميرا”كما نعتهم الصدر الاعظم على عهد الراحل الحسن الثاني ،ادريس البصري ،هم أبناء هذا الوطن وبناته ،أبوا عن يستفحل الظلم وإهانة كرامة المغاربة ،تعرضوا للقتل والرفس وعجت بهم معتقلات وزنازين..سجلت فصولا من مسلسل سنوات الجمر والرصاص عشنا حلقات منه ،قبل “پوز”طي صفحة الماضي ،وإنشاء آلية الإنصاف والمصالحة ،ومحاولة بداية ،كتابة فصول من تاريخ العهد الجديد مازالت دروبه طويلة وشاقة..
رحم الله كل شهدائنا الأبرار ،وهذا المغرب وطننا يسكننا ولا نسكنه ،وعلى الآخر من المفسد بدرجاته ومستوياته أن “يتقاد ..يتقاد أو يخوي لبلاد ..