الانتفاضة / إلهام أوكادير
عاد ملف الدعم العمومي المخصص لاستيراد المواشي وتربيتها إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني بالمغرب، بعدما أطلقت مكونات المعارضة بمجلس النواب تحركا جديدا يروم الدفع نحو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن كيفية تدبير هذه الاعتمادات وآثارها على السوق الوطنية وأسعار الماشية.
وفي هذا السياق، وجهت فرق ومجموعات المعارضة مراسلات إلى مكونات الأغلبية البرلمانية من أجل الانضمام إلى مبادرة تشكيل لجنة نيابية مؤقتة للتحقيق في مختلف الجوانب المرتبطة بالدعم الموجه لاستيراد الأغنام وتربية المواشي، في محاولة جديدة لإحياء هذا المطلب بعد تعثر مساع سابقة بسبب عدم توفر النصاب القانوني اللازم.
وتسعى المعارضة إلى حشد الدعم الكافي لتفعيل هذه الآلية الرقابية التي يشترط القانون الداخلي لمجلس النواب إحداثها بطلب موقع من ثلث أعضاء المجلس على الأقل، معتبرة أن الملف يستدعي تدقيقا مؤسساتيا يجيب عن عدد من التساؤلات المرتبطة بجدوى الدعم العمومي ومدى تحقيقه للأهداف المعلنة.
في المقابل، تشير معطيات من داخل الأغلبية البرلمانية إلى أن الطلب يخضع حاليا للدراسة، وسط تقديرات تفيد بأن فرص إخراج اللجنة إلى حيز الوجود تبقى محدودة، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحالية وما يرافق ذلك من ضيق في الزمن البرلماني المتبقي.
وترى بعض الأصوات داخل الأغلبية أن طريقة طرح المبادرة ساهمت في تغذية منطق الاستقطاب السياسي أكثر من تعزيز فرص التوافق حولها، معتبرة أن الملفات ذات الطابع الرقابي الواسع تستوجب نقاشا مشتركا بين مختلف الفرق البرلمانية قبل الانتقال إلى الإجراءات العملية المتعلقة بتشكيل اللجنة وتحديد نطاق اختصاصها.
كما تؤكد هذه المكونات أنها لا تعارض من حيث المبدأ إخضاع الملف للتدقيق البرلماني، لكنها تدعو إلى توسيع دائرة البحث لتشمل مختلف آليات الدعم العمومي وليس فقط الدعم المرتبط باستيراد المواشي، بما يسمح بتقييم أشمل للسياسات العمومية الموجهة للقطاعات الإنتاجية.
كذلك، تدفع الأغلبية في اتجاه بلورة أرضية توافقية تحدد بدقة محاور التحقيق والجهات المعنية والمساطر المعتمدة، تفاديا لتحويل اللجنة إلى موضوع للتجاذب السياسي أو المزايدات بين مكونات المؤسسة التشريعية.
في حين، تتمسك المعارضة بمطلبها، معتبرة أن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق يمثل آلية دستورية وقانونية كفيلة بتوضيح عدد من المعطيات المرتبطة بهذا الملف، والكشف عن تفاصيل تدبير الأموال العمومية المرصودة له، خصوصا في ظل استمرار النقاش العمومي حول انعكاس إجراءات الدعم على أسعار المواشي والقدرة الشرائية للمواطنين.
ويمنح النظام الداخلي لمجلس النواب صلاحية إحداث لجان نيابية مؤقتة لتقصي الحقائق بمبادرة ملكية أو بطلب يقدمه ثلث أعضاء المجلس. وتناط بهذه اللجان مهمة جمع المعلومات والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية وإعداد تقرير نهائي يودع لدى مكتب المجلس، مع إمكانية إحالته على الجهات القضائية المختصة إذا اقتضى الأمر ذلك.
ويعد هذا النوع من اللجان إحدى أبرز الآليات الرقابية التي اعتمدها البرلمان المغربي في عدد من الملفات الكبرى خلال السنوات الماضية، حيث سبق أن تم اللجوء إليها للتحقيق في قضايا وأحداث ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة.
ومع استمرار شد الحبل بين الأغلبية والمعارضة، يبقى مستقبل لجنة تقصي الحقائق حول دعم استيراد المواشي رهينا بمدى قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات السياسية والوصول إلى صيغة توافقية تتيح فتح هذا الملف داخل المؤسسة التشريعية قبل إسدال الستار على الولاية البرلمانية الحالية.