الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقى مريدو وأتباع الطريقة البوعزاوية، ومعهم عدد كبير من العلماء والفقهاء ومحبي أهل التصوف بالمملكة المغربية وخارجها، نبأ انتقال الشيخ الفقيه والعالم الجليل الشريف مولاي المختار البوعزاوي إلى جوار ربه، بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والتربوي والدعوي، كرسها لخدمة الدين ونشر قيم الوسطية والاعتدال والتربية الروحية.
ويعتبر الراحل أحد أبرز رموز التصوف السني بالمغرب، وشيخ الطريقة البوعزاوية بالزاوية البوعزاوية بمدينة مراكش، كما يعد من السلالة الشريفة ومن أحفاد الشيخ البوعزاوي الذي أسس صرحا روحيا وعلميا ظل على امتداد عقود طويلة منارة للعلم والتربية والإرشاد، ومقصدا للمريدين والباحثين عن السلوك الروحي القائم على الكتاب والسنة ومكارم الأخلاق.

وقد خلف خبر وفاته حزنا عميقا وأسى بالغا في صفوف فقراء ومقدمي ومريدي الطريقة البوعزاوية داخل المغرب وخارجه، خاصة وأن الراحل كان يحظى بمكانة روحية وعلمية كبيرة، اكتسبها من خلال سنوات طويلة من العمل الدؤوب في خدمة الزاوية، والعناية بشؤون المريدين، وتلقين مبادئ التربية الروحية المستمدة من تعاليم الإسلام السمحة.
وزاد من وقع هذا المصاب الجلل تزامن رحيل الشيخ مولاي المختار البوعزاوي مع يوم عظيم من أيام الله تعالى، هو يوم عرفة المبارك، الذي يعد من أفضل أيام السنة وأعظمها بركة وأجراً، ما جعل الكثير من محبيه ومريديه يستحضرون فضائل هذا اليوم الكريم وهم يودعون أحد كبار رجالات العلم والتصوف الذين أفنوا حياتهم في خدمة الدين والعباد.

لقد عرف عن الفقيد، رحمه الله، تواضعه الجم وأخلاقه الرفيعة وقربه من الناس، حيث ظل طوال حياته حريصا على استقبال المريدين والزوار وطلبة العلم، موجها ومرشدا وناصحا، واضعا نصب عينيه خدمة الدين والوطن، وترسيخ قيم المحبة والتسامح والتعايش التي شكلت على الدوام جوهر المدرسة الصوفية المغربية الأصيلة.
ولم يكن الشيخ الراحل مجرد شيخ لطريقة صوفية فحسب، بل كان عالما وفقيها ومربيا ساهم في الحفاظ على الإرث الروحي والعلمي للطريقة البوعزاوية، التي تعد من الزوايا العريقة بالمملكة المغربية، والتي لعبت أدوارا مهمة في نشر العلم الشرعي وتحصين المجتمع من مظاهر الغلو والتطرف، والدعوة إلى الاعتدال والتشبث بثوابت الأمة المغربية الدينية والوطنية.

وقد تميزت شخصية الراحل بالحكمة والرزانة والاعتدال، وهي الصفات التي جعلته يحظى باحترام وتقدير مختلف الفاعلين الدينيين والعلميين، كما جعلت من الزاوية البوعزاوية فضاءً للتربية الروحية وتزكية النفوس وترسيخ قيم الأخوة والتضامن والمحبة بين الناس.
وعلى امتداد سنوات طويلة، واصل الفقيد أداء رسالته النبيلة في تربية الأجيال وتوجيه المريدين، مستلهما في ذلك سيرة أسلافه من شيوخ الطريقة الذين حملوا مشعل العلم والإصلاح والتربية الروحية. وقد ترك بصمات واضحة في نفوس كل من عرفه أو جالسه أو تتلمذ على يديه، حيث كان مثالا للعالم العامل الذي يجمع بين العلم والتواضع، وبين المعرفة والخدمة، وبين التربية والسلوك.
كما عرف الراحل بمواقفه الداعية إلى لم الشمل ونبذ الفرقة وتعزيز قيم التآخي والتعاون، مؤمنا بأن التصوف الصحيح هو مدرسة للأخلاق والتربية والإصلاح، وأن خدمة الإنسان وتوجيهه نحو الخير من أسمى الغايات التي ينبغي أن يسعى إليها العلماء والمربون.

ويجمع المقربون من الفقيد على أن حياته كانت حافلة بالعطاء والبذل وخدمة الناس، وأنه لم يدخر جهدا في سبيل الحفاظ على إشعاع الزاوية البوعزاوية ودورها العلمي والروحي، حيث ظل وفياً للرسالة التي ورثها عن أسلافه، حاملا لأمانة التربية والإرشاد ومواصلا لمسيرة الإصلاح والتوجيه.
واليوم، برحيل الشيخ الشريف مولاي المختار البوعزاوي، تفقد الساحة الدينية والروحية بالمغرب واحدا من رجالاتها الأفذاذ، وعالما من العلماء الذين نذروا حياتهم لخدمة الدين والعلم والتربية. غير أن الأثر الطيب الذي خلفه في نفوس محبيه ومريديه، وما زرعه من قيم ومبادئ وأخلاق، سيظل شاهدا على مسيرة رجل عاش لله وخدم دينه ووطنه بإخلاص وتفان.

وفي هذه المناسبة الأليمة، تتقدم أسرة الطريقة البوعزاوية، وكافة محبي الفقيد ومريديه، بأصدق عبارات التعازي والمواساة إلى أسرته الكريمة وإلى جميع أتباع الطريقة البوعزاوية داخل المغرب وخارجه، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه من علم نافع وتربية صالحة وخدمة للدين والمجتمع.
نسأل الله تعالى أن يجعل ما بذله الراحل من أعمال الخير والعلم والتوجيه في ميزان حسناته، وأن يلهم أهله وذويه ومريديه جميل الصبر وحسن العزاء، وأن يعوض الأمة في فقده خيرا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.