البكالوريا: امتحان في الأقسام وآخر على الطرقات

0

الانتفاضة/ فاطمة الزهراء صابر

مع انطلاق امتحانات البكالوريا، تعود إلى الواجهة معاناة المترشحين الذين تم توزيعهم على مؤسسات بعيدة عن ثانويتهم أو عن أماكن سكنهم، فقبل الجلوس إلى مقاعد الامتحان، يخوض عدد من مترشحي البكالوريا امتحانا آخر لا تنص عليه المذكرات الوزارية ولا تحتسب نقاطه ضمن المعدل النهائي. إنه امتحان الطريق، رحلة يومية شاقة يقطع خلالها آلاف التلاميذ مسافات طويلة للوصول إلى مراكز الإجراء، وسط ظروف تنقل تزيد من منسوب القلق والإرهاق في واحدة من أكثر المحطات الدراسية حساسية.

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة التربية الوطنية في معطيات رسمية مرتبطة بدورة 2026، أن عدد المترشحين لاجتياز الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا بلغ حوالي 528 ألفا و135 مترشحا ومترشحة على الصعيد الوطني، من بينهم أزيد من 426 ألفا من المتمدرسين وحوالي 101 ألف من المترشحين الأحرار، مع تعبئة آلاف مراكز الامتحان بمختلف الأكاديميات الجهوية، كما تم اتخاذ مجموعة من الإجراءات الاحترازية والتنظيمية لضمان سير هذه الاستحقاقات في ظروف ملائمة. غير أن هذه التدابير، ورغم أهميتها، لا تزال لا تنهي بشكل كامل بعض الإشكالات المرتبطة ببعد مراكز الامتحان وصعوبة التنقل بالنسبة لعدد من الأسر.

وفي هذا الصدد، تقول إحدى الأسر، في تصريح لجريدة الانتفاضة أنها عاشت صباح اليوم صعوبات حقيقية رغم توفرها على سيارة خاصة، حيث أوضحت أن السكن في منطقة تاركة ومركز الامتحان في الداوديات جعل عملية إيصال ابنها إلى قاعة الامتحان تستغرق وقتا أطول مما كان متوقعا، في ظل الازدحام وضيق الوقت، وهو ما زاد من التوتر في لحظة حساسة من مسار التلميذ الدراسي.

هنا تطرح إشكالية تتعلق بمدى انسجام عملية توزيع المترشحين مع مبدأ القرب الجغرافي، إذ يجد عدد من التلاميذ أنفسهم مطالبين بالتوجه إلى مؤسسات أخرى بعيدة عن مقرات دراستهم الأصلية. كما يثير هذا الوضع نقاشا حول تأثير تفاوت ظروف التنقل على مبدأ تكافؤ الفرص، في ظل اختلاف الأعباء التي يتحملها المترشحون بين من يلجون مراكز الامتحان القريبة من مقرات سكنهم، ومن يضطرون إلى قطع مسافات طويلة ومواجهة إكراهات النقل والازدحام قبل انطلاق الاختبارات. ويستند هذا النقاش إلى توفر عدد من المؤسسات التعليمية على الشروط اللوجستية والتنظيمية اللازمة لاحتضان اختبارات .

وتسجل هذه الإشكالية حضورها خلال كل دورة امتحانية، حيث يشكو أولياء الأمور من الأعباء الإضافية المرتبطة بالتنقل، سواء من حيث الكلفة المالية أو الجوانب التنظيمية المصاحبة لها، خصوصا بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود. كما تزداد حدة هذه الانشغالات في ظل ما قد تفرضه ظروف السير والجولان من عراقيل غير متوقعة، من قبيل الازدحام المروري أو الأعطاب التقنية لوسائل النقل، وتزداد المخاوف عندما يتعلق الأمر بحوادث السير فالتلميذ الذي يفترض أن يكون ذهنه منشغلا بحل الأسئلة واسترجاع المعلومات، يجد نفسه منشغلا منذ الصباح بحساب الوقت والمسافة واحتمالات التأخر عن موعد الامتحان.

وهي عوامل قد تؤثر على جاهزية المترشحين وتركيزهم خلال فترة تعد من أكثر المحطات الدراسية حساسية. فالبكالوريا تتجاوز كونها مجرد محطة لتقييم التحصيل الدراسي، باعتبارها استحقاقا مفصليا يرسم ملامح المسار الأكاديمي والمهني لآلاف الشباب. ومن هذا المنطلق، فإن توفير شروط تنظيمية وتربوية مناسبة لاجتيازها يظل جزءا لا يتجزأ من ضمان مبدأ الإنصاف .

في المقابل يرى فاعلون ومهتمون بالشأن التربوي أن متطلبات تأمين الامتحانات وضمان نزاهتها لا تتعارض بالضرورة مع اعتماد معايير تراعي القرب الجغرافي. ويؤكدون أن تطوير آليات التنظيم والمراقبة كفيل بتحقيق التوازن بين متطلبات التأطير الصارم للامتحانات وتوفير ظروف أكثر ملاءمة للمترشحين. كما يشيرون إلى أن عددا من التجارب المحلية أبانت عن إمكانية تدبير هذه الاستحقاقات في مؤسسات قريبة من التلاميذ مع الحفاظ على الضوابط التنظيمية المعتمدة.

في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال البكالوريا في كونها امتحانا داخل قاعات مغلقة، لأن واقع التلميذ يكشف  عن اختبار آخر يفرض عليهم خارج الأسوار قد يكون في كثير من الأحيان أكثر قسوة وإرهاقا من الامتحان الرسمي نفسه، لذلك فإن الاستمرار في تجاهل هذا الجانب لن يزيد إلا من تعقيد تجربة يفترض أن تكون تربوية خالصة، لا رحلة مرهقة تبدأ قبل ورقة الأسئلة وتنتهي بعدها..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.