الانتفاضة/ أكرام
في زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية، وتتكاثر فيه مصادر المعرفة ووسائل التأثير، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استحضار المعاني العميقة التي تؤسس للإنسان المتوازن، وتبني المجتمع المتماسك، وتعيد ترتيب العلاقة بين العلم والعمل، وبين الفكر والسلوك، وبين الفرد والجماعة. وفي هذا السياق تتجلى قيمة الكلمات المضيئة التي يخطها العلماء الربانيون، ليس باعتبارها مجرد عبارات وعظية عابرة، وإنما باعتبارها مفاتيح لفهم الإنسان والحياة ورسالة الدين في أبعادها الشاملة.
ومن بين هذه الكلمات الجامعة ما أورده العلامة مصطفى البحياوي حين ربط بين العلم والحكمة والحلم، معتبرا أن العلم قمة الدلالة على الحق، وأن الحكمة قمة المنهج في الرفق، وأن الحلم ملاك الخلق. وهي ثلاثية تحمل في طياتها رؤية متكاملة للتزكية والإصلاح، لأن الإنسان لا يكتمل بعلمه وحده، كما لا يستقيم بحسن خلقه فقط، بل يحتاج إلى اجتماع هذه المعاني في شخصيته حتى يكون قادرا على أداء رسالته في الحياة.
فالعلم في التصور الإسلامي ليس مجرد تراكم للمعلومات أو امتلاك للمعارف النظرية، بل هو نور يهدي إلى الحق ويكشف معالم الطريق. ولذلك كان العلماء في تاريخ الأمة منارات للهداية حين جمعوا بين المعرفة والبصيرة، وبين الفهم والعمل. والعلم الذي لا يقود إلى معرفة الحق ولا يثمر خشية لله تعالى يتحول إلى مجرد ثقافة جافة قد تزيد صاحبها غرورا بدلا من أن تزيده تواضعا. ومن هنا جاءت أهمية الربط بين العلم والحكمة، لأن الحكمة هي القدرة على تنزيل الحقائق في مواضعها المناسبة، والتعامل مع الناس وفق مقتضيات أحوالهم وظروفهم، وتحقيق المقاصد بأفضل الوسائل الممكنة.
أما الحلم فهو تاج الأخلاق وزينتها، لأنه يعبر عن قدرة الإنسان على ضبط انفعالاته والتسامح مع الآخرين والتعامل مع الإساءة بروح راقية تتجاوز ردود الفعل الآنية. والحلم ليس ضعفا كما قد يتصور البعض، بل هو قوة داخلية تمكن صاحبها من السيطرة على نفسه في المواقف الصعبة، ومن تقديم المصلحة العامة على نزوات الغضب والانتصار للنفس. ولهذا كان الحلم من أبرز صفات الأنبياء والصالحين، لأنه يجمع بين الحكمة في التقدير والرحمة في التعامل.
وعندما تتجسد هذه الثلاثية في حياة الأفراد، فإنها تنعكس بصورة طبيعية على المجتمع كله. فالمجتمع ليس كيانا منفصلا عن أفراده، بل هو صورة مركبة من أخلاقهم وسلوكهم وقيمهم. ولهذا جاء تشبيه المجتمع بالنسيج، وهو تشبيه بالغ الدقة والعمق. فالنسيج مهما بدا متماسكا في ظاهره، فإن قوته الحقيقية تعتمد على جودة الخيوط التي يتكون منها. وإذا كانت الخيوط ضعيفة أو متآكلة أو مهترئة، فإن النسيج كله يصبح معرضا للتمزق مهما بدا جميلا من الخارج.
إن الحديث عن إصلاح المجتمع دون إصلاح الإنسان يشبه محاولة بناء قصر شامخ فوق أرض رخوة لا تملك مقومات الثبات. فالفرد هو اللبنة الأولى في كل مشروع حضاري، وكل خلل يصيب الإنسان ينعكس بشكل أو بآخر على الأسرة والمؤسسة والمجتمع والدولة. ولذلك فإن مشاريع الإصلاح الكبرى تبدأ دائما من بناء الإنسان فكرا وروحا وسلوكا، ثم تمتد آثارها إلى مختلف المجالات الأخرى.
غير أن إصلاح الفرد لا يعني الانعزال عن المجتمع أو الانكفاء على الذات، بل يعني الدخول في علاقة تفاعلية مستمرة مع المحيط. فالفرد يؤثر في المجتمع كما يتأثر به، والإصلاح الحقيقي يتحقق حين تتكامل جهود الأفراد والمؤسسات في صناعة بيئة تساعد على ترسيخ القيم النبيلة وتدعم مسارات البناء والتنمية. ومن هنا نفهم أهمية ما سماه العلامة البحياوي بالتحرك الجدلي مع نسيج المجتمع، أي ذلك التفاعل الإيجابي الذي يجعل الإصلاح عملية مستمرة ومتبادلة بين الذات والواقع.
وفي سياق الحديث عن رسالة الدين، يلفت الانتباه تأكيده على ثلاث سمات أساسية ينبغي أن تميز أهل الإيمان: صدق الانتماء، وعمق الفهم، ورفق الأداء. وهي خصائص تشكل في مجموعها منهجا متكاملا في التدين الرشيد الذي يجمع بين الإخلاص والعلم والحكمة.
فصدق الانتماء يعني أن يكون الإنسان صادقا مع نفسه ومع ربه ومع الناس، بعيدا عن مظاهر النفاق والتصنع والادعاء. إن الدين في جوهره علاقة صدق قبل أن يكون مجموعة من الشعارات أو المظاهر. ولذلك فإن أخطر ما يواجه الرسالات والقيم هو أن تتحول إلى عناوين فارغة يرفعها البعض دون أن تنعكس على سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم. فالصدق هو الأساس الذي يمنح الأقوال معناها ويمنح الأعمال قيمتها الحقيقية.
أما عمق الفهم فهو ضرورة ملحة في زمن كثرت فيه القراءات السطحية والاختزالية للنصوص والقضايا. فالفهم العميق يقتضي النظر إلى المقاصد قبل الجزئيات، وإلى الكليات قبل التفاصيل، وإلى السياقات قبل الأحكام المتسرعة. كما يقتضي إدراك ترابط المعاني وعدم الوقوف عند ظواهر الأمور دون النفاذ إلى حقائقها. وقد كانت كثير من الأزمات الفكرية والدينية التي عرفتها المجتمعات ناتجة عن غياب هذا العمق واستبداله بقراءات حرفية ضيقة لا تستوعب روح الشريعة ومقاصدها الكبرى.
ثم يأتي رفق الأداء باعتباره الثمرة العملية للصدق والفهم. فالإنسان الذي يدرك حقيقة الدين ويفهم مقاصده لا يمكن أن يكون فظا أو متعسفا في تعامله مع الآخرين. والرفق ليس مجرد أسلوب في الخطاب، بل هو منهج متكامل في الدعوة والتربية والإصلاح والتدبير. إنه القدرة على احترام سنن التدرج، ومراعاة أحوال الناس، واختيار الوقت المناسب والأسلوب المناسب لتحقيق الغايات المشروعة.
لقد أثبت التاريخ أن المشاريع التي قامت على الرفق والحكمة كانت أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير من تلك التي اعتمدت العنف أو الاستعجال أو الإكراه. فالنفوس تفتح أبوابها للكلمة الطيبة، والعقول تستجيب للحجة الهادئة، والقلوب تميل إلى من يعاملها بالرحمة والاحترام. ولذلك كان الرفق زينة لكل عمل، وكان العنف سببا في إفساد كثير من المقاصد الحسنة.
إن الأمة اليوم وهي تواجه تحديات متعددة في مجالات الفكر والقيم والتنمية، أحوج ما تكون إلى استعادة هذه المعاني الجامعة التي تجمع بين العلم والحكمة والحلم، وبين صدق الانتماء وعمق الفهم ورفق الأداء. فبمثل هذه القيم تبنى الشخصيات المتوازنة، وتتقوى الروابط الاجتماعية، وتتجدد رسالة الدين في النفوس باعتبارها رسالة حياة وإحياء، لا مجرد شعارات تردد أو مواقف عابرة. وحين يتحول العلم إلى هداية، والحكمة إلى منهج، والحلم إلى خلق، يصبح الإنسان أكثر قدرة على أداء دوره في العمران والإصلاح، وتصبح الأمة أقرب إلى تحقيق رسالتها الحضارية التي تقوم على الرحمة والعدل والخير للناس أجمعين.
التعليقات مغلقة.