من تلوات..المسار السياسي للحاج المدني الكلاوي

0

الانتفاضة/ ابراهيم السروت

يعد الحاج المدني الكلاوي، المعروف أيضا باسم المدني المزواري الكلاوي، واحدا من أبرز رجالات المخزن المغربي خلال مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب الحديث، وهي الفترة التي سبقت فرض الحماية الفرنسية على البلاد. فقد لعب دورا محوريا في التحولات السياسية والعسكرية التي عرفها المغرب مطلع القرن العشرين، وتمكن من بناء نفوذ واسع لأسرة الكلاوي التي أصبحت لاحقا من أقوى العائلات المخزنية في المملكة.

ولد الحاج المدني الكلاوي حوالي سنة 1860 بمنطقة تلوات التابعة لقبائل كلاوة بالأطلس الكبير، في بيئة قبلية كانت تعرف آنذاك بتعقيداتها السياسية وتشابك الولاءات بين القبائل والسلطة المركزية. وينتمي إلى أسرة الكلاوي الشهيرة التي استطاعت بفضل دهائها السياسي وقوتها العسكرية أن تفرض حضورها داخل المشهد المغربي، خاصة في الجنوب والمناطق الجبلية الممتدة نحو مراكش.

وقد برز اسم المدني الكلاوي بشكل لافت خلال فترة الصراع الحاد بين السلطان مولاي عبد الحفيظ وأخيه السلطان مولاي عبد العزيز، وهو الصراع الذي شكل منعطفا خطيرا في تاريخ الدولة المغربية. ففي سنة 1907، انطلقت الحركة الحفيظية من مدينة مراكش، حيث وجد السلطان مولاي عبد الحفيظ دعما كبيرا من عدد من القبائل والقيادات المحلية الرافضة للنفوذ الأجنبي المتزايد وللسياسات التي اتبعها السلطان مولاي عبد العزيز.

وفي هذا السياق، لعب المدني الكلاوي دورا محوريا في تعبئة القبائل وحشد الرجال والسلاح لصالح الحركة الحفيظية، مستفيدا من نفوذه القوي داخل قبائل الأطلس الكبير والجنوب المغربي. وقد شكل هذا الدعم أحد العوامل التي ساعدت السلطان مولاي عبد الحفيظ على توسيع نفوذه والوصول إلى الحكم، خاصة في ظل تزايد الضغوط الأجنبية والأزمات الداخلية التي كانت تعصف بالمغرب آنذاك.

ولم ينس السلطان الجديد فضل الحاج المدني الكلاوي، إذ قام سنة 1909 بتعيينه صدرا أعظم، وهو المنصب الذي كان يمثل أعلى سلطة حكومية في النظام المخزني المغربي، ويعادل في المفهوم الحديث منصب رئيس الحكومة أو الوزير الأول. وقد منح هذا التعيين للحاج المدني مكانة سياسية كبرى داخل الدولة المغربية، كما جعله أحد أبرز صناع القرار في تلك المرحلة المضطربة.

وخلال فترة توليه منصب الصدر الأعظم، عمل المدني الكلاوي على توسيع نفوذ أسرته بشكل غير مسبوق، حيث قام بتعيين عدد من أفراد عائلته وأقربائه في مناصب قيادية وإدارية مهمة، خصوصاً في مناطق الجنوب المغربي ومراكش. وقد ساهمت هذه السياسة في تعزيز سلطة آل الكلاوي وتحويلهم إلى قوة سياسية وعسكرية مؤثرة داخل البلاد.

لكن هذا التوسع في النفوذ لم يمر دون إثارة ردود فعل معارضة، إذ بدأت شكاوى القبائل تتزايد ضد أسرة الكلاوي بسبب ما اعتبره البعض استغلالا للسلطة وتضييقا على القبائل المنافسة. كما أثار تضخم نفوذ الأسرة مخاوف السلطان مولاي عبد الحفيظ نفسه، الذي بدأ يشعر بأن الكلاويين أصبحوا يشكلون قوة مستقلة داخل الدولة قد تهدد توازن السلطة التقليدي.

وفي سنة 1911، قرر السلطان إعفاء الحاج المدني الكلاوي وعدد من أفراد أسرته من مهامهم السياسية والإدارية، في محاولة لإعادة ضبط موازين القوى داخل البلاد والحد من تنامي نفوذ الأسرة. غير أن هذا القرار لم ينه حضور الكلاويين داخل المشهد السياسي المغربي، بل شكل فقط مرحلة مؤقتة من التراجع قبل عودتهم القوية مع بداية عهد الحماية الفرنسية.

فبعد توقيع معاهدة الحماية سنة 1912 ودخول المغرب مرحلة جديدة تحت السيطرة الفرنسية، استعادت أسرة الكلاوي نفوذها بدعم مباشر من سلطات الحماية، التي رأت في بعض القيادات التقليدية المحلية حلفاء قادرين على ضمان الاستقرار وخدمة المصالح الفرنسية. وقد استفاد الكلاويون من هذه المرحلة لتعزيز مواقعهم من جديد، خاصة بمدينة مراكش والمناطق الجنوبية.

وفي هذا السياق، برز شقيق الحاج المدني، التهامي الكلاوي، الذي سيصبح لاحقاً أحد أشهر باشاوات المغرب وأكثرهم إثارة للجدل، حيث ارتبط اسمه بالنفوذ الواسع وبالعلاقة القوية مع سلطات الحماية الفرنسية. وقد ورث التهامي جزءاً كبيراً من النفوذ السياسي والاجتماعي الذي أسسه الحاج المدني خلال السنوات السابقة.

أما الحاج المدني الكلاوي، فقد توفي سنة 1918، بعد مسار سياسي حافل بالأحداث والتحولات الكبرى التي عاشها المغرب في بداية القرن العشرين. ورغم الجدل الذي أحاط بشخصيته وبنفوذ أسرته، فإن اسمه ظل مرتبطا بمرحلة مفصلية من تاريخ الدولة المغربية، مرحلة شهدت صراعاً على السلطة، وتدخلاً أجنبياً متزايداً، وتحولات عميقة انتهت بفرض الحماية الفرنسية على البلاد.

لقد كان المدني الكلاوي نموذجا لرجل المخزن التقليدي الذي جمع بين النفوذ القبلي والقوة العسكرية والحنكة السياسية، واستطاع أن يتحول من زعيم محلي في جبال الأطلس إلى أحد أقوى رجالات الدولة المغربية في عصره. كما أن تجربته تعكس طبيعة التحولات التي عرفها المغرب آنذاك، حيث تداخلت الولاءات القبلية بالمصالح السياسية، وتقاطعت السلطة المركزية مع النفوذ المحلي في مرحلة اتسمت بالاضطراب وعدم الاستقرار.

واليوم، ما يزال اسم الحاج المدني الكلاوي يثير اهتمام الباحثين والمؤرخين المهتمين بتاريخ المغرب الحديث، باعتباره واحدا من الشخصيات التي ساهمت في تشكيل جزء مهم من المشهد السياسي المغربي خلال مرحلة انتقالية حساسة، كان لها أثر بالغ في مسار الدولة المغربية الحديثة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.