ضغط العطل يكشف هشاشة خدمات النقل العمومي بالمغرب

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

في كل مناسبة دينية أو عطلة كبرى، يتجدد النقاش في المغرب حول واقع خدمات النقل العمومي، خصوصاً مع تزايد الضغط على القطارات والحافلات ومحطات السفر. ومع اقتراب عيد الأضحى، عادت هذه الإشكالية إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي، بعدما انتقدت النائبة البرلمانية فاطمة التامني ما وصفته بالفجوة المتزايدة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “تجويد خدمات النقل” وبين الواقع اليومي الذي يعيشه المواطنون أثناء تنقلاتهم.

وفي تدوينة نشرتها على مواقع التواصل الاجتماعي، اعتبرت التامني أن التصريحات الرسمية التي تقدم داخل البرلمان حول تحسين جودة النقل لا تنعكس فعليا على تجربة المسافرين، خاصة خلال فترات الذروة التي تعرف إقبالا كبيرا على وسائل النقل المختلفة. وأشارت إلى أن المواطنين ما يزالون يواجهون تأخيرات متكررة في رحلات القطارات قد تتجاوز أحيانا ساعة كاملة، إلى جانب أعطاب متكررة في أجهزة التكييف، وهو ما يزيد من معاناة المسافرين في ظل ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.

ولم تقف الانتقادات عند النقل السككي فقط، بل امتدت إلى النقل الطرقي الذي يشهد بدوره، وفق ما أكدته البرلمانية، حالة من الفوضى والاكتظاظ داخل المحطات، خاصة قبيل المناسبات الدينية والعطل المدرسية. كما تحدثت عن استمرار ظاهرة “السوق السوداء” لبيع التذاكر، حيث يجد عدد من المواطنين أنفسهم مضطرين لاقتناء تذاكر بأسعار مضاعفة بسبب نفادها السريع أو احتكارها من طرف السماسرة، في مشهد يتكرر كل سنة دون أن تتمكن الجهات المعنية من وضع حد له بشكل نهائي.

ويطرح هذا الوضع، بحسب متابعين، تساؤلات عميقة حول مدى نجاعة السياسات العمومية المرتبطة بقطاع النقل، خصوصاً أن المغرب يراهن في السنوات الأخيرة على تطوير البنيات التحتية وتعزيز صورة المرافق العمومية. فرغم الاستثمارات المهمة التي تم ضخها في مشاريع النقل، لا يزال المواطن يشتكي من مشاكل يومية مرتبطة بالتأخير، وضعف جودة الخدمات، ونقص ظروف الراحة والسلامة.

ويرى عدد من المهتمين بالشأن العام أن أزمة النقل في المغرب ليست مرتبطة فقط بضعف الإمكانيات، بل أيضا بغياب الحكامة والقدرة على التدبير الاستباقي لفترات الضغط الموسمية. فخلال الأعياد والعطل، تعرف محطات القطارات والحافلات ارتفاعا كبيرا في عدد المسافرين، ما يستوجب تعبئة استثنائية وتعزيزا للرحلات والمراقبة، غير أن المشاهد المتكررة للازدحام والفوضى تعكس، حسب تعبيرهم، محدودية الإجراءات المتخذة.

كما أن معاناة المواطنين مع وسائل النقل لا تقتصر على التأخير أو الاكتظاظ فقط، بل تشمل أيضا الإحساس بعدم احترام الكرامة الإنسانية داخل بعض وسائل النقل والمحطات. فالمسافر الذي يقتني تذكرة مسبقاً ينتظر خدمة تحفظ له الحد الأدنى من الراحة والتنظيم، غير أن الواقع كثيرا ما يكون مختلفا، سواء بسبب الاكتظاظ المفرط داخل العربات، أو الأعطال التقنية، أو ضعف الخدمات الأساسية داخل المحطات.

وفي هذا السياق، تساءلت فاطمة التامني عن مدى فعالية آليات المراقبة والمحاسبة داخل قطاع النقل، معتبرة أن تكرار الاختلالات نفسها كل سنة يفرض ضرورة تقييم حقيقي للسياسات المعتمدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وأكدت أن الحديث عن تطوير النقل لا ينبغي أن يبقى مجرد شعارات أو أرقام تقدم في التقارير الرسمية، بل يجب أن ينعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين اليومية.

ويعتبر مراقبون أن إصلاح قطاع النقل يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول الظرفية، عبر تحسين جودة الخدمات، وتحديث الأسطول، وتعزيز المراقبة، والحد من المضاربة في التذاكر، إضافة إلى اعتماد مقاربة تضع المواطن في صلب السياسات العمومية. كما يشددون على أهمية التواصل مع المواطنين وتوفير معلومات دقيقة وفورية بشأن مواعيد الرحلات والتأخيرات المحتملة، بما يساهم في تخفيف حالة التوتر والارتباك التي ترافق السفر خلال فترات الذروة.

ومع تزايد الإقبال على وسائل النقل الجماعي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التنقل الفردي، تبدو الحاجة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى لإعادة النظر في واقع القطاع، وضمان خدمات تحترم تطلعات المواطنين وكرامتهم. فالنقل لم يعد مجرد خدمة ثانوية، بل أصبح عنصرا أساسيا في الحياة اليومية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأي اختلال فيه ينعكس بشكل مباشر على ثقة المواطنين في المرافق العمومية.

وفي انتظار حلول عملية وملموسة، يبقى المواطن المغربي هو الطرف الأكثر تضررا من هذه الاختلالات المتكررة، خصوصا خلال المناسبات الدينية والعطل التي يفترض أن تكون فترات للراحة وصلة الرحم، لا مواسم إضافية للمعاناة والتوتر داخل محطات ووسائل النقل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.