قانون العدول يدخل أخطر منعطف تشريعي بالمغرب

من الشارع إلى المحكمة الدستورية

0

الانتفاضة/ جميلة ناصف

دخل ملف القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق العدلي مرحلة جديدة وحاسمة، بعدما أحالت فرق ومجموعات المعارضة بمجلس النواب النص على المحكمة الدستورية، في خطوة تعكس تصاعد الجدل القانوني والمؤسساتي حول مستقبل مهنة العدالة بالمغرب، وتعيد فتح واحد من أكثر الملفات المهنية حساسية داخل منظومة العدالة والتوثيق.
وتأتي هذه الإحالة بعد سنوات من التوتر المتواصل بين هيئة العدول ووزارة العدل، وهي الفترة التي شهدت موجات من الاحتجاجات والإضرابات والوقفات التصعيدية التي عطلت في أحيان كثيرة جزء من خدمات التوثيق، ورفعت منسوب الاحتقان داخل القطاع، بسبب ما اعتبره العدول “اختلالات جوهرية” في مشروع القانون الجديد، سواء على مستوى الصلاحيات أو شروط الممارسة أو طبيعة العلاقة مع باقي المهن التوثيقية.
وبانتقال الملف إلى المحكمة الدستورية، يكون النقاش قد غادر دائرة الشارع والضغط المهني إلى فضاء التأويل الدستوري والمؤسساتي، حيث ينتظر أن تحسم أعلى هيئة دستورية في البلاد في مدى انسجام عدد من مقتضيات القانون مع المبادئ الدستورية المتعلقة بالمساواة وتكافؤ الفرص والأمن القانوني وحرية ممارسة المهن.
وترى الجمعية المغربية للعدول أن هذه المرحلة تمثل منعطفا مفصليا في تاريخ المهنة، معتبرة أن الإحالة على المحكمة الدستورية ليست مجرد إجراء تقني أو مسطرة قانونية عادية، بل تشكل فرصة حقيقية لإعادة تقييم الفلسفة التشريعية التي بُني عليها القانون، ومدى احترامها للتوازن داخل منظومة التوثيق الوطنية.
وفي هذا السياق، أكد عبد الرزاق بويطة، الكاتب العام للجمعية المغربية للعدول، أن الجسم المهني دخل ما وصفه بـ”مرحلة الرهان المؤسساتي”، بعدما استنفدت الأشكال الاحتجاجية التقليدية جزء كبيرا من تأثيرها، مشددا على أن العدول يعولون اليوم على القضاء الدستوري باعتباره الضامن الأساسي لسمو الدستور وحماية الحقوق المهنية والمؤسساتية.
وأضاف بويطة أن أي إصلاح حقيقي لمنظومة التوثيق العدلي لا يمكن أن يظل محصورا في مقاربة تقنية أو إدارية ضيقة، بل ينبغي أن يراعي البعد الحقوقي والدستوري للمهنة، وأن يضمن عدالة تشريعية بين مختلف الفاعلين داخل قطاع التوثيق، بما يحفظ في الوقت نفسه حقوق المواطنين ويؤمن استقرار المعاملات القانونية والعقارية.
ويتركز الجدل بشكل أساسي حول عدد من المواد التي اعتبرتها المعارضة البرلمانية وهيئة العدول مقتضيات مثيرة للإشكال، وعلى رأسها المادة 50 المتعلقة بنظام التلقي الثنائي للعقود، حيث يرى الطاعنون أن إلزامية تحرير بعض العقود من طرف عدلين اثنين يخلق نوعا من التفاوت مقارنة بمهن توثيقية أخرى تمارس اختصاصات مشابهة بصيغ أكثر مرونة، وهو ما قد يؤثر على تنافسية المهنة وقدرتها على مواكبة التحولات الحديثة.
كما تثير المقتضيات المتعلقة بمنع العدول من تدبير حسابات الودائع أو التعامل مع صندوق الإيداع والتدبير الكثير من الجدل، في ظل اعتبار المهنيين أن هذا المنع يكرس نوعا من التمييز بين المهن التوثيقية، رغم تشابه الوظائف المرتبطة بحماية الحقوق وتأمين المعاملات المالية والعقارية.
ومن أبرز النقاط المثيرة للنقاش أيضاً المادة 67 المرتبطة بشهادة اللفيف، والتي تشترط حضور 12 شاهدا، وهو المقتضى الذي تعتبره المعارضة والمهنيون غير منسجم مع التحولات الاجتماعية والرقمية التي يعرفها المغرب، فضلا عن الصعوبات العملية التي يطرحها، خاصة في العالم القروي والمناطق النائية، حيث قد يتحول هذا الشرط إلى عائق أمام تسريع المساطر الإدارية والتوثيقية.
ولم يقتصر الانتقاد على الجوانب الإجرائية فقط، بل امتد إلى الصياغة القانونية لعدد من مواد القانون، إذ سجلت المعارضة استعمال عبارات فضفاضة وواسعة التأويل من قبيل “سبب مشروع” و”الإشارة المفهومة” و”كل شخص مؤهل”، معتبرة أن هذه الصياغات قد تفتح الباب أمام اختلافات في التفسير والتطبيق، بما يمس بمبدأ الأمن القانوني واستقرار المعاملات.
ويأتي هذا الجدل في سياق أوسع يتعلق بمستقبل مهن التوثيق بالمغرب، في ظل التحولات التي يشهدها قطاع العدالة، والرهانات المرتبطة بالرقمنة وتبسيط المساطر وتعزيز جاذبية الاستثمار وتحقيق النجاعة القضائية. لذلك يعتبر متابعون أن القرار المرتقب للمحكمة الدستورية لن تكون له فقط آثار مهنية تخص العدول، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على هندسة منظومة التوثيق برمتها.
كما يرى مراقبون أن هذه المعركة تعكس صراعا أعمق حول إعادة توزيع الاختصاصات داخل الحقل التوثيقي، بين من يدافع عن الحفاظ على الخصوصية التاريخية والشرعية لمهنة العدول، وبين من يدفع نحو تحديث شامل للمنظومة بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الحديث والرقمنة وتطور المعاملات.
وفي المقابل، تؤكد وزارة العدل أن مشروع القانون جاء في إطار تحديث المهنة وتعزيز الحكامة والشفافية وتحصين المعاملات القانونية، معتبرة أن النص يتضمن إصلاحات تهدف إلى الرفع من جودة الخدمات التوثيقية وتطوير أداء العدول بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها المغرب في المجالين القضائي والإداري.
غير أن المهنيين يعتبرون أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتم دون إشراك فعلي لهيئات العدول في صياغة القوانين المؤطرة للمهنة، ودون معالجة الاختلالات البنيوية التي ظلت تثير الاحتقان داخل القطاع لسنوات طويلة.
ومع وصول الملف إلى المحكمة الدستورية، تبدو مهنة العدول أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم حدودها القانونية والمؤسساتية لعقود مقبلة. فإما أن تؤكد المحكمة دستورية النص كما صادق عليه البرلمان، وهو ما سيمنح الحكومة دفعة قوية للمضي في تنزيله، أو أن تعيد بعض مواده إلى دائرة النقاش والتعديل، بما قد يفتح الباب أمام صياغة جديدة أكثر توافقا وتوازنا داخل واحدة من أقدم المهن المرتبطة بمنظومة العدالة المغربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.