الانتفاضة / إلهام وكادير
بدا انعقاد المؤتمر الوزاري الثاني لحفظ السلام في الفضاء الفرانكفوني، اليوم الأربعاء بالرباط، أكثر من مجرد موعد دبلوماسي عابر، بل مساحة لإعادة طرح سؤال قديم جديد: كيف يمكن لعمليات حفظ السلام أن تظل فعالة في عالم يتغير بسرعة أكبر من آلياته؟
داخل هذا السياق، وجّه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، رسالة مسجلة حملت في طياتها نبرة تقدير للمغرب وفرنسا على التنظيم المشترك لهذا اللقاء، لكن أيضاً نبرة إدراك لحجم التحولات التي يعرفها العالم، حيث تتزايد بؤر النزاع بشكل غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وبين عبارات الشكر والتحذير، رسم غوتيريش صورة واضحة لوضع معقد: حفظ السلام ما يزال أحد أهم الأدوات العملية التي تملكها الأمم المتحدة، لكنه في الوقت نفسه أداة تحتاج إلى تحديث مستمر، وإلى ما هو أكثر من مجرد وجود رمزي على الأرض. فنجاح هذه العمليات، كما أكد، لا يقوم فقط على الانتشار الميداني، بل على توازن دقيق بين ولاية واضحة، وإرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف، ودعم صلب من الدول الأعضاء.
لكن ما يلفت في خطاب الأمين العام، هو تركيزه على ما يمكن تسميته بـ”البعد الإنساني الهادئ” لعمليات حفظ السلام، خصوصاً في الفضاء الفرانكفوني وفي إفريقيا تحديداً. فهناك، كما قال، لا تكفي الأدوات العسكرية أو التقنية وحدها، بل تصبح اللغة، وفهم الثقافة المحلية، والقدرة على بناء الثقة مع السكان، عناصر لا تقل أهمية عن أي قرار أممي.
هذا البعد الإنساني يتقاطع بدوره مع إصلاحات أوسع تعمل عليها الأمم المتحدة في إطار “مبادرة الأمم المتحدة 80” (UN80)، وهي خطوة تهدف إلى إعادة صياغة منظومة حفظ السلام لتكون أكثر قرباً من الواقع الميداني، وأقل بيروقراطية، وأكثر استجابة لاحتياجات المجتمعات التي تعيش داخل بؤر النزاع، حيث لا تبدو القرارات البعيدة دائماً كافية لفهم تفاصيل الحياة اليومية هناك.
وخلف هذا النقاش، يظل حضور “القبعات الزرق” حاضراً كعنصر رمزي وواقعي في الآن ذاته. فهؤلاء الذين ينتشرون في مناطق شديدة الخطورة منذ ما يقارب ثمانية عقود، لا يقومون فقط بمهام تقنية، بل يشتغلون في مساحة رمادية بين الحرب والسلام، حيث تصبح حماية المدنيين ومرافقة المسارات السياسية عملاً يومياً محفوفاً بالمخاطر.
المؤتمر الذي ترأسه بشكل مشترك وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، ونظيره الفرنسي جان-نويل بارو، عرف مشاركة لافتة ضمت 26 وزيراً و63 وفداً من مختلف القارات، في مشهد يعكس أن النقاش حول مستقبل حفظ السلام لم يعد شأناً إقليمياً أو تقنياً، بل قضية دولية مفتوحة على كل الاحتمالات، وعلى كل الأسئلة المؤجلة أيضاً.