الحكامة الرقمية بالمغرب: حين تتحول الإدارة من أرشيف الورق إلى سيادة البيانات وصناعة الثقة العمومية

0

الانتفاضة// بقلم: حبيل رشيد

لم تعد الدولة الحديثة تُقاس فقط بما تملكه من مؤسسات وهيئات وإدارات مترامية الأطراف، وإنما أصبحت تُقاس كذلك بقدرتها على تدبير الزمن الإداري، والتحكم في تدفقات المعلومة، وضمان انسيابية الخدمات العمومية داخل فضاء رقمي متسارع لا يعترف بمنطق البطء ولا يحتمل أعطاب البيروقراطية التقليدية. ومن ثم، فإن التحول الرقمي لم يعد مجرد خيار تقني محدود الأثر، وإنما أضحى عنواناً لعصر جديد تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، بين الإدارة والمرتفق، وبين السلطة العمومية ومفهوم الحكامة ذاتها.

لقد دخل المغرب، خلال العقدين الأخيرين، مرحلة إعادة تشييد البنية الإدارية وفق منطق جديد قوامه الرقمنة، والتدبير الذكي، والنجاعة المؤسساتية، والعدالة الرقمية، وهي مفاهيم حديثة بدأت تفرض حضورها داخل الأدبيات القانونية والإدارية المعاصرة، باعتبارها أدوات لإنتاج “الدولة المنصاتية” التي تعتمد على البيانات، والربط البيني، والتفاعل الإلكتروني، عوض الإدارة الورقية الثقيلة التي ظلت لعقود طويلة مرادفاً للتأخير والتعقيد وتضخم المساطر.

ولا شك أن التحول نحو الإدارة الرقمية بالمغرب جاء في سياق دولي شديد التعقيد، حيث أصبحت الحكومات مطالبة بإعادة ابتكار وظائفها التقليدية، نتيجة الثورة المعلوماتية المتسارعة، وتنامي الاقتصاد الرقمي، وتغير انتظارات المواطنين الذين لم يعودوا يقبلون بإدارة تتحرك بمنطق الأختام والأرشيفات المتراكمة والملفات الضائعة بين المكاتب والمصالح. فالعالم اليوم يتجه نحو ما يمكن تسميته بـ”الحكامة الخوارزمية”، أي حكامة قائمة على المعالجة الرقمية للمعطيات، وعلى سرعة اتخاذ القرار، وربط المسؤولية بالمردودية الرقمية، وهي تحولات دفعت المغرب إلى الانخراط في ورش تحديث الإدارة العمومية باعتباره رهاناً سيادياً وتنموياً في الآن ذاته.

ومن الثابت أن دستور سنة 2011 شكّل لحظة مفصلية في هذا المسار، إذ كرّس مجموعة من المبادئ المرتبطة بالحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة والحق في الحصول على المعلومات، خاصة من خلال الفصل 27 الذي أرسى لأول مرة حق المواطنين في الولوج إلى المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. وهذا المقتضى الدستوري لم يكن مجرد إعلان حقوقي معزول، وإنما كان بمثابة إعلان سياسي وقانوني عن ميلاد إدارة جديدة مطالبة بالشفافية والانفتاح والرقمنة وتيسير الخدمات.

وبالتالي، فإن الرقمنة في السياق المغربي لم تعد مجرد استعمال للحواسيب أو تحويل الوثائق الورقية إلى ملفات إلكترونية، وإنما أصبحت مشروعاً هيكلياً لإعادة هندسة الإدارة العمومية وفق ما يعرف حديثاً بـ”الهندسة المؤسساتية الرقمية”، أي إعادة بناء طرق الاشتغال، ومسارات اتخاذ القرار، وآليات التواصل الإداري، وفق منطق السرعة والفعالية والتتبع الإلكتروني.

وفي هذا الإطار، جاء القانون رقم 24.96 المتعلق بالبريد والمواصلات ليؤسس لمرحلة جديدة من تحرير قطاع الاتصالات وإنهاء الاحتكار العمومي التقليدي، حيث فتح المجال أمام المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، وأدى إلى بروز فاعلين جدد داخل سوق الاتصالات، من قبيل “اتصالات المغرب” و”أورنج” و”إنوي”، الأمر الذي خلق دينامية رقمية غير مسبوقة داخل المجتمع المغربي. كما تم إحداث الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات باعتبارها مؤسسة استراتيجية تضطلع بمهام الضبط والتنظيم والسهر على احترام قواعد المنافسة وحماية التوازنات التقنية والاقتصادية للقطاع.

وقد ساهم هذا الانفتاح في توسع البنية التحتية الرقمية بشكل لافت، حيث ارتفع عدد المشتركين في خدمات الهاتف والإنترنت إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبحت الشبكات الرقمية تخترق مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية. ومن ثم، لم تعد الإدارة المغربية تشتغل داخل فضاء مغلق ومعزول، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة رقمية متشابكة، تُنتج خدماتها عبر المنصات الإلكترونية والتطبيقات الذكية وقواعد البيانات المترابطة.

وفي خضم هذا التحول، برزت الحاجة إلى إرساء مفهوم جديد يمكن تسميته بـ”السيادة الرقمية الإدارية”، أي قدرة الدولة على التحكم في بياناتها العمومية، وتأمين نظمها المعلوماتية، وضمان استقلالية بنياتها الرقمية بعيداً عن التبعية التكنولوجية المطلقة. فالإدارة الحديثة لم تعد تُختزل في البنايات والمكاتب والموظفين فقط، وإنما أصبحت تتمثل كذلك في الخوادم الإلكترونية، ومراكز تخزين البيانات، وشبكات الأمن السيبراني، ومنصات الخدمات عن بعد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.