نزار بركة يضع المناطق الجبلية في قلب النقاش التنموي بالمغرب

0

الانتفاضة/ سلامة السروت

أكد نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، أن النقاش حول مغرب المستقبل لا يمكن أن يظل محصورا في المدن الكبرى أو الأقطاب الاقتصادية، بل يجب أن ينفتح بشكل جدي على ما يسمى بالمغرب العميق، حيث القرى والمناطق الجبلية التي ظلت لعقود تتحمل قسوة الطبيعة وإكراهات التهميش في الوقت نفسه. وشدد على أن قياس تقدم البلاد لا ينبغي أن يقتصر على المؤشرات الحضرية، بل يجب أن يشمل أيضا مدى شعور المواطن في المناطق النائية بالكرامة والإنصاف والانتماء.

وجاءت هذه التصريحات خلال ندوة نظمتها مؤسسة علال الفاسي في موضوع العدالة المجالية في المناطق الجبلية، حيث أبرز بركة أن هذه المناطق ليست هامشا جغرافيا معزولا، بل هي جزء أساسي من العالم القروي، وتشكل نواته الصلبة وامتداده الأكثر تعقيدا. واعتبر أن الجبال ليست مجرد فضاءات طبيعية صعبة، بل هي خزانات استراتيجية للمياه والتنوع البيولوجي والطاقة المتجددة، فضلا عن كونها حاملة لذاكرة ثقافية وهوية مجالية ورأسمال لامادي غني يعكس عمق التاريخ المغربي.

وأشار الوزير إلى أن العالم القروي، رغم التحسن النسبي الذي عرفه في بعض المجالات، لا يزال يعاني من اختلالات واضحة في الولوج إلى التجهيزات والخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية، غير أن هذه الفوارق تتضاعف في المناطق الجبلية بسبب عوامل طبيعية وبنيوية أكثر تعقيدا. فالعزلة في هذه المناطق، كما أوضح، ليست مجرد بعد جغرافي، بل هي عزلة تنموية مركبة تجمع بين التضاريس الوعرة وهشاشة التربة وقساوة المناخ، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالكوارث الطبيعية. كما أشار إلى خصوصية النسيج السكاني الذي يتميز بتشتت الدواوير وصغر حجمها، وهو ما يضاعف من صعوبة توفير الخدمات العمومية بشكل فعال، في وقت يعيش فيه حوالي 15.5 في المائة من الساكنة القروية في هذه المناطق، أي ما يقارب مليوني نسمة.

وفي معرض حديثه عن السياسات العمومية، أوضح بركة أن التعامل مع المناطق الجبلية ظل يتأرجح بين مقاربتين متناقضتين. المقاربة الأولى تعتبر الجبل مجالا صعبا ومكلفا، يصعب إدماجه في برامج التنمية، ما يؤدي إلى تأجيل الاستثمار فيه باستمرار بدعوى ارتفاع الكلفة وضعف العائد الاقتصادي والديموغرافي. وبهذا المنظور، يتم إقصاء هذه المناطق عمليا من أولويات التنمية، لتظل رهينة ما وصفه بمنطق النجاعة التقنية الذي يبرر التهميش بلغة الأرقام. أما المقاربة الثانية، فهي تقوم على العدالة المجالية والإدماج الترابي، وتعتبر أن هذه المناطق، رغم خصوصياتها، تتمتع بحقوق كاملة في التنمية مثل باقي جهات المملكة، وأن تجاهلها يعني تكريس اختلالات بنيوية على المدى الطويل.

وشدد بركة على أن تحقيق العدالة المجالية في المناطق الجبلية يتطلب الانتقال من منطق الكلفة إلى منطق الحقوق، ومن التدبير التقليدي إلى هندسة ترابية مبتكرة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية. فالحلول الجاهزة المصممة للمدن أو للمجالات القروية السهلة لا يمكن أن تنجح في بيئة جبلية معقدة، بل يجب اعتماد مقاربات مرنة ومندمجة تراعي النمط العمراني المشتت والدور الإيكولوجي الحيوي لهذه المجالات. كما دعا إلى اعتماد تمييز ترابي إيجابي ذكي يهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص بشكل فعلي، وليس فقط شكلياً، معتبراً أن الإنصاف الحقيقي لا يعني المساواة الحسابية بين جميع المناطق، بل تخصيص ما يلائم كل مجال حسب حاجاته وإكراهاته.

وفي الجانب التنموي، أكد الوزير على ضرورة الاستثمار في الحلول المبتكرة التي يمكن أن تحدث تحولاً نوعياً في حياة السكان، مثل الوحدات الصحية المتنقلة، والطب عن بعد، والتعليم الرقمي، إضافة إلى إحداث مراكز خدمات متعددة الوظائف داخل المناطق الجبلية لتقريب الإدارة والخدمات من المواطنين. كما أبرز أن هذه المناطق تتوفر على إمكانات اقتصادية واعدة في مجالات الفلاحة الجبلية والمنتجات المجالية والنباتات الطبية والعطرية والسياحة البيئية والطاقات المتجددة، غير أن استغلال هذه الإمكانات يظل رهيناً بوجود رؤية تنموية متكاملة تستثمر خصوصيات المجال بدل تجاهلها.

وختم بركة بالتأكيد على أن مستقبل المغرب لن يكون عادلاً ولا متوازناً إذا لم يتم إدماج الجبال والقرى في صلب السياسات العمومية، لأن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بسرعة النمو في المراكز الحضرية، بل بقدرة الدولة على ضمان العدالة في توزيع الفرص بين مختلف المجالات الترابية، بما يحقق تنمية شاملة ومستدامة تعكس وحدة المغرب وتنوعه في آن واحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.