الانتفاضة / رشيد حربيل
لا شك أن التحولات المتسارعة التي يشهدها مرفق العدالة، في سياق الرقمنة الشاملة لمختلف مرافق الدولة، أضحت تفرض إعادة النظر في آليات تدبير الإجراءات المقيدة للحرية، وعلى رأسها الحراسة النظرية، باعتبارها من أدق وأخطر مراحل المسطرة الجنائية… ومن المؤكد أن المشرع المغربي، من خلال القانون رقم 23.03 المتعلق بتعديل قانون المسطرة الجنائية، قد انخرط في هذا الورش الإصلاحي، ساعيًا إلى إرساء نموذج متوازن يجمع بين النجاعة الإجرائية وصيانة الحقوق والحريات، وهو ما يتجلى بوضوح في الفصول من 66 إلى 67 وما تفرع عنها من مقتضيات دقيقة ومترابطة.
ومن ثم، فإن قراءة هذه النصوص في ضوء التجارب الدولية تكشف عن توجه تشريعي واعٍ، يهدف إلى الانتقال من منطق الضبط التقليدي للحراسة النظرية إلى منطق الحكامة الرقمية، القائمة على الشفافية، والتتبع، وقابلية المراقبة الفورية… وبالتالي، فإن الرقمنة لم تعد مجرد خيار تقني، وإنما أضحت ضرورة قانونية ومؤسساتية لضمان مشروعية الإجراءات وتعزيز الثقة في العدالة الجنائية.
أولا: الإطار القانوني الوطني للحراسة النظرية بين الضبط التشريعي والانفتاح الرقمي
من الثابت أن المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية أرست الأساس القانوني للحراسة النظرية، محددة شروط اللجوء إليها في وجود أسباب جدية للاشتباه في ارتكاب جناية أو جنحة معاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية، وهو ما يعكس توجها نحو تضييق نطاق هذا الإجراء وربطه بمعايير موضوعية قابلة للمراقبة… كما أن تحديد مدة الحراسة في ثمان وأربعين ساعة، مع إخضاعها لإشراف النيابة العامة، يكرس مبدأ التأقيت القانوني ويمنع أي انزلاق نحو الاعتقال التعسفي.
وعلاوة على ذلك، جاءت المادة 1-66 لتؤكد الطابع الاستثنائي لهذا التدبير، حيث حصرت اللجوء إليه في حالات الضرورة المرتبطة بالحفاظ على الأدلة، أو منع الفرار، أو حماية الشهود، أو وضع حد للاضطراب العام… وهو ما يعكس انتقالا تشريعيا واضحا من منطق الإباحة الضمنية إلى منطق التقييد الصريح.
أما المادة 2-66، فقد شكلت حجر الزاوية في منظومة الضمانات، إذ أقرت حقوقا جوهرية لفائدة الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية، من بينها الحق في الإعلام، والحق في الصمت، والحق في الاتصال بمحام ابتداء من الساعة الأولى، مع تنظيم دقيق لآليات التمديد وربطها بإذن كتابي معلل من النيابة العامة… وهو ما يعزز الرقابة القضائية ويمنع التوسع غير المبرر في تقييد الحرية.
وفي سياق تعزيز الشفافية، جاءت المادة 3-66 لتكرس التسجيل السمعي البصري كآلية حديثة لتوثيق تصريحات المشتبه فيه في القضايا الخطيرة، وهو إجراء يضفي مصداقية على المحاضر ويحد من المنازعات المرتبطة بسلامة الإرادة… كما أن المادة 4-66 خصت فئات معينة، كالأحداث وذوي العاهات، بضمانة حضور المحامي أثناء الاستماع، تعزيزًا لحق الدفاع في وضعيات الهشاشة.
ومن جهة أخرى، أرست المادة 5-66 نظاما توثيقيا مزدوجا، يقوم على السجل الورقي والسجل الإلكتروني الوطني، حيث يتم نقل المعطيات فورا إلى قاعدة بيانات مركزية، مما يشكل لبنة أساسية في مسار رقمنة الحراسة النظرية… في حين جاءت المادة 67 لتؤكد على الضبط الزمني الدقيق، وإشعار العائلة، وإجراء الفحص الطبي، بما يضمن حماية السلامة الجسدية والمعنوية للموقوف.
ثانيا: الرقمنة كآلية لتعزيز الرقابة والشفافية في تدبير الحراسة النظرية
لا شك أن إدماج الرقمنة في تدبير الحراسة النظرية يمثل تحولا نوعيا في فلسفة العدالة الجنائية، إذ لم يعد التتبع مقتصرا على السجلات المحلية، وإنما أصبح يتم عبر منصات رقمية مركزية تتيح للنيابة العامة والسلطات القضائية الاطلاع الفوري على المعطيات… وبالتالي، فإن الرقمنة تسهم في تقليص هامش التقدير غير المنضبط، وتحد من إمكانيات التلاعب أو الإخفاء.
كما أن اعتماد التسجيل السمعي البصري يشكل امتدادا لهذا التوجه، حيث يوفر وسيلة إثبات موضوعية يمكن للمحكمة الرجوع إليها للتحقق من مدى احترام حقوق الدفاع… إضافة إلى ذلك، فإن نقل بيانات الحراسة النظرية إلى سجل إلكتروني وطني يسمح بإجراء تقييمات إحصائية ومؤسساتية، مما يعزز الحكامة القضائية ويؤسس لعدالة قائمة على المعطيات.
ومن المؤكد أن هذا التوجه ينسجم مع المبادئ الدستورية، وعلى رأسها قرينة البراءة، والحق في المحاكمة العادلة، وضرورة إخضاع كل إجراء ماس بالحرية لرقابة قضائية فعلية… وهو ما يجعل الرقمنة أداة لتفعيل هذه المبادئ، وليس مجرد وسيلة تقنية.
ثالثا: التجارب الدولية في رقمنة الحراسة النظرية… دروس مستفادة
بالرجوع إلى التجارب المقارنة، يتبين أن عدة دول سبقت إلى اعتماد أنظمة رقمية متقدمة في تدبير الحراسة النظرية… ففي فرنسا، تم إرساء منصات رقمية تتيح للنيابة العامة الاطلاع الفوري على ملفات الاحتجاز، وتمديداته، وقرارات الضابطة القضائية، مما يعزز التنسيق ويضمن سرعة التدخل عند الاقتضاء.
كما أن هولندا اعتمدت أنظمة معلوماتية متكاملة تمكن من تتبع جميع مراحل الحراسة النظرية، من لحظة الإيقاف إلى الاستجواب، مرورا بالقرارات القضائية، وهو ما يسهل الإشراف ويضمن حسن تطبيق القانون… أما في الولايات المتحدة، فقد لجأت بعض الولايات إلى قواعد بيانات مركزية لتتبع عمليات الاعتقال والاحتجاز، مما يمكن المدعين العامين من مراقبة الإجراءات بشكل مستمر.
ومن ثم، فإن هذه التجارب تؤكد أن الرقمنة تشكل رافعة أساسية لتحسين جودة العدالة، وتعزيز الشفافية، وتقوية الرقابة المؤسساتية… كما أنها تبرز أهمية التكامل بين النص القانوني والبنية التحتية الرقمية، لضمان فعالية التطبيق.
رابعا: تحديات الرقمنة وآفاق تطوير تدبير الحراسة النظرية
رغم الإيجابيات الواضحة، فإن الرقمنة تطرح تحديات متعددة، من بينها حماية المعطيات الشخصية، وضمان أمن الأنظمة المعلوماتية، وتوفير التكوين اللازم للموارد البشرية… إضافة إلى ذلك، فإن فعالية السجل الإلكتروني تظل رهينة بمدى التزام الضابطة القضائية بإدخال المعطيات بدقة وفي الوقت المناسب.
كما أن غياب جزاءات صريحة في بعض الحالات، كعدم إنجاز التسجيل السمعي البصري، قد يفرغ بعض المقتضيات من محتواها، مما يستدعي تدخلا تشريعيا لتكريس الطابع الإلزامي لهذه الضمانات… وبالتالي، فإن تطوير تدبير الحراسة النظرية يقتضي مواكبة مستمرة، تجمع بين التحديث القانوني والتأهيل التقني.
خاتمة
من الثابت أن المشرع المغربي، من خلال القانون رقم 23.03، قد وضع أسسا متقدمة لتدبير الحراسة النظرية، قائمة على التوازن بين متطلبات البحث الجنائي وضمانات الحرية الفردية… غير أن إدماج الرقمنة في هذا الإطار يفتح آفاقا جديدة لتعزيز الشفافية والمساءلة، ويؤسس لعدالة أكثر نجاعة وموثوقية.
وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي يكمن في حسن تنزيل هذه المقتضيات، وتطوير البنية الرقمية، وتكريس ثقافة قانونية مؤسساتية تؤمن بأن حماية الحقوق لا تتعارض مع فعالية العدالة، وإنما تشكل شرطا لشرعيتها واستمرارها… ومن ثم، فإن الرقمنة، في بعدها العميق، تمثل مدخلا استراتيجيا لإعادة بناء الثقة في العدالة الجنائية وترسيخ دولة الحق والقانون.