الانتفاضة / زين الدين بودينة
في يوم يجمع بين الذكرى الثامنة عشرة لتأسيس المديرية العامة لإدارة السجون بابن جرير وافتتاح مؤسسة سجنية جديدة بالرحامنة، يقف المرء مشدوها أمام مشهدين متداخلين: مشهد الإسمنت والحديد الذي يرتفع بسرعة قياسية، ومشهد الإنسان الذي يظل، مهما اختلفت أماكن حبسه، أسيرا في أكثر من سجن.
إن افتتاح هذه المؤسسة السجنية الحديثة قرب ابن جرير ليس مجرد إضافة عددية إلى خريطة السجون المغربية. إنه، قبل كل شيء، تخفيف ملموس عن كاهل أهالي السجناء الذين كانوا يقطعون المسافات الطويلة بحثا عن وجه عزيز خلف القضبان. في هذا المعنى، يعد الحدث خطوة إنسانية نبيلة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يكفي أن نبني جدرانا أفضل لنعتقد أننا حللنا إشكالية الاكتظاظ وأننا اقتربنا من المواصفات العالمية؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك، يتجاوز الإسمنت إلى طبيعة الحرية ذاتها؟
هناك من يرى في هذا البناء السريع هدرا للمال العام في زمن أصبحت فيه العقوبات البديلة واقعا تشريعيا. فالدولة، بحسب هذا الرأي، تتجه تدريجيا نحو عقوبات لا تسلب الحرية كليا، بل تقيد بعض جوانبها فقط. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نستثمر في بناء سجون جديدة بينما بعض القضايا السالبة للحرية أصبح أصحابها يقضون عقوباتهم خارج الأسوار؟ السؤال مشروع، ويستحق تأملا هادئا.
لكن هناك رأيا ثالثا أكثر عمقا وألما، رأيا يتجاوز السياسة والاقتصاد إلى جوهر الوجود الإنساني. يقول هذا الرأي: ما الفائدة من كل هذه الأسوار الحجرية والحديدية، ونحن نعيش في سجون لا جدران لها؟
كم من إنسان يمشي في الشوارع حرا طليقا، وهو في الواقع أسير الغلاء المستفحل الذي جعل لقمة العيش هما يوميا يلازم الروح قبل الجسد؟ كم من شاب يحمل في صدره أحلاما كبيرة، لكنه أصبح أسيرا لظروف اقتصادية مجحفة تجعله يبيع قناعاته أو يخدم أجندات لا يؤمن بها، رغما عن أنفه؟
ثم هناك سجن أشد قسوة وخطورة، إنه سجن الأفكار. ذلك الذي يأسر العقل قبل الجسد. فمن يعيش أسيرا لأفكار التطرف والغلو في الدين، أو لأيديولوجيات جامدة تكبل التفكير وتحول الإنسان إلى ببغاء يردد ما حفظ دون أن يفهم أو يناقش، فهو سجين أشد وطأة من كثير ممن يقبعون خلف القضبان. بل إن بعض العقول الحرة التي اختارت أن تفكر بحرية، ودفعت ثمن ذلك بالسجن، قد تكون أسعد حالا من عقول مكبلة تسير في الشوارع بجسد حر وروح مقيدة.
ألا يعيش كثير منا أسرى العادات والتقاليد البالية التي تحول دون تقدمهم وتحسين أوضاعهم المعيشية؟ ألا يوجد من يظل أسيرا لحزب أو تنظيم سياسي يكبل لسانه ويحد من قدرته على التعبير والاعتراض والنقاش الحر؟ أليست هناك أشكال متعددة من الأسر الاجتماعي والاقتصادي والفكري تجعل الإنسان حبيسا، ولو لم ير أحد جدران سجنه؟
في ضوء هاته المفارقات، يصبح السؤال “ما الفائدة من بناء السجون؟” سؤالا عميقا يستحق التأمل. لماذا نهدر المال في بناء جدران وتوظيف حراس وتوفير طعام، بينما يمكن التحكم في حرية الإنسان بطرق أخرى أقل تكلفة، خارج الأسوار؟
الجواب، في اعتقادي، يكمن في أن السجن الحجري، مهما بدا قاسيا، يظل اعترافا صريحا بوجود جريمة ومسؤولية. أما السجون غير المرئية فهي أخطر لأنها لا تعترف بأسرها، بل تتخفى خلف شعارات الحرية والتقدم والانفتاح. السجن الرسمي يحمي المجتمع من خطر محدد، بينما السجون الفكرية والاقتصادية والاجتماعية تدمر المجتمع من الداخل دون أن يشعر أحد بالخطر.
لذلك، لا ينبغي أن ننظر إلى افتتاح المؤسسة السجنية الجديدة بالرحامنة كحدث عادي. إنه مناسبة لنتساءل جميعا: هل نريد مجتمعا يبني سجونا أفضل ليحبس فيها الأجساد فقط، أم نريد مجتمعا يحرر العقول والأرواح أولا، حتى لا يبقى أحد منا سجينا بدون أسوار؟
فالحرية الحقيقية ليست مجرد غياب القضبان، بل هي قدرة الإنسان على التفكير بحرية، والتعبير بصدق، والعيش بكرامة. وكل سجن، مرئي كان أو غير مرئي، يظل إهانة لهذه الكرامة الإنسانية التي يجب أن تظل، في كل الأحوال، هي الهدف الأسمى.