الانتفاضة / سعاد براهمة
إن المحاماة ليست مجرد مهنة للمرافعة داخل القاعات، بل هي رسالة حقوقية قوامها الجرأة في الحق والذود عن مصالح المتقاضين. وما تعرض له الزميل “الأستاذ محمد الشمسي” (هيئة الدار البيضاء) من محاولة لجره إلى المساءلة التأديبية بسبب “تدوينة” كشف فيها عورات التدبير الإداري والقضائي لشكايات موكليه، ليس إجراء عابرا، عاديا ولا دلالة له، بل هو مؤشر خطير على منحى النيابة العامة في اتجاه إضفاء طابع “القدسية” على أعمالها، وجعل قصورها أو إهمالها، بمنأى عن النقد المجتمعي والمهني.
انطلق الزميل كما هو أوضح في تدوينته في ممارسة مهامه بكل أمانة وضمير، متتبعا شكايات موكليه التي طالها الإهمال والنسيان. فمن شكايات “تبخرت” في شعبة الشكايات، إلى أخرى لم يُتخذ فيها قرار لقرابة *خمس سنوات* (مما يعرض حقوق المواطنين للتقادم الجنائي)، وصولا إلى رحلة مضنية بين مكاتب المحاكم.
وعندما أغلقت الأبواب، واستنفد الزميل كل طرق “التشكي المؤسساتي” لإنقاذ حقوق من ائتمنوه، وجد نفسه مضطرا مشاركة هذه المعاناة مع الرأي العام عبر فضاء التواصل الاجتماعي، ليس تشهيرا، بل علّ اذانا صاغية غير تلك التي صُمّت تنصت إلى تظلمه، واستنهاضا للهمم وتوضيحا للمسؤوليات.
لكن المفارقة الصادمة وهي انه وبدلا من أن تتحرك النيابة العامة لفتح تحقيق في *ضياع الشكايات وتعطيل مصالح المشتكين، اختارت منطق الهجوم كوسيلة لاخراس صوت الدفاع عبر المطالبة بمتابعته تأديبيا، بعلة *عدم التقيد بمبادئ الكرامة والشرف.
وهنا يصبح لزاما السؤال الجوهري *أين هي الأخلاق المهنية والشرف في ترك شكايات المواطنين لسنوات دون جواب؟ أليس التخاذل عن حماية حقوق المتقاضين هو المس الحقيقي بوقار العدالة؟*.
إن محاولة تصوير نقد القصور المهني كـ “جريمة تستوجب التأديب” هو قلب للمفاهيم؛ فالمحامي الذي يسكت عن ضياع ملفات موكله هو المحامي الذي يفتقد للشرف المهني، أما من يصدح بالحق فهو الذي يجسد روح المهنة.
إننا للأسف أمام منحى مطرد يسعى لتكريس *ثقافة الصمت؛ فالنيابة العامة بناء على ما ذكر تريد أن يبقى أي تقصير يشوب عملها طي الكتمان. وان تظل بمنآى عن أي نقد أو مساءلة ،
إن التضييق على الزميل “بن شمسي” بسبب تدوينة تعكس واقعاً مريراً هو:
أولاً:مساس بحرية التعبير التي يضمنها الدستور
ثانيا: إضعاف لدور الدفاع في مراقبة حسن سير العدالة.
ثالثا: تهديد مباشر للأمن القضائي للمواطن.
ولذلك وانطلاقا من مواقعنا المهنية، لا يمكننا، الا ان نعلن تضامننا المطلق وغير المشروط مع الزميل “محمد الشمسي” لانه تضامن في جوهرة مع المهنة، ضد هذا الاستهداف الذي يطال جوهر حصانة الدفاع، واستنكارنا الشديد لتحويل التأديب إلى وسيلة للترهيب وتكميم الأفواه بدلا من كونه أداة لتقويم السلوك المهني.
إلى جانب ذلك، نؤكد على أن حصانة المحامي، يجب أن تمتد لتشمل كل تصريحاته المرتبطة بممارسة مهامه، وترافعه سواء كانت داخل المحكمة أو في الفضاء العام ، مادام الهدف هو حماية حقوق المتقاضين.
كما ندعو رئاسة النيابة العامة لفتح تحقيق جدي في أسباب تعثر الشكايات التي أشار إليها الزميل، بدلا من الانشغال بملاحقة من فضح هذا التعثر.
وأخيرا لا يسعني الا التأكيد على إن العدالة التي تخشى النقد هي عدالة هشة، والمحاماة التي تخشى المواجهة هي مهنة مستلبة. وسيظل صوت الدفاع حرا، والزميل “الشمسي” وغيره من الشرفاء حصنا منيعاً ضد أي انحراف سلطوي يبتغي النيل من قدسية الدفاع.