الانتفاضة / نورالهدى العيساوي
في ظلّ تسارع الوصول إلى المعلومة الصحية عبر الإنترنت، سواء من خلال محركات البحث أو منصات التواصل أو أدوات الذكاء الاصطناعي، برزت بشكل متزايد ظاهرة “التشخيص الذاتي”، حيث يحاول أفراد تفسير أعراضهم الصحية بشكل فردي دون الرجوع إلى مختصين. هذا السلوك بات يثير قلق الأوساط الطبية بسبب ما قد يترتب عنه من أخطاء علاجية أو تأخير في التدخل الطبي المناسب.
وتشير المعطيات الواردة في التصريحات الطبية المعروضة إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الظاهرة مرتبط بانتشار محتوى صحي غير دقيق على الإنترنت، إذ يُذكر أن 56 في المائة من المعلومات المتداولة حول الصحة النفسية عبر الشبكة لا تستند إلى أساس علمي، فيما يتابع أكثر من نصف مستخدمي منصات التواصل (حوالي 54 في المائة) محتوى صحياً مضللاً أو غير موثوق. كما يُسجل أن 27 في المائة من الأشخاص قد يعانون من القلق نتيجة الانخراط في البحث المستمر عن الأعراض الصحية وتأويلها ذاتياً.
ولا يمكنني تأكيد دقة هذه الأرقام بشكل مستقل أو مصدرها الأصلي ضمن المعطيات المتاحة.
في هذا السياق، يوضح أطباء أن التشخيص الذاتي غالباً ما ينتهي إلى التداوي الفردي، خصوصاً عندما يعتمد الشخص على تجاربه السابقة أو تجارب محيطه الاجتماعي بدل الفحص الطبي. هذا النهج، حسب نفس المعطيات، يختلف جذرياً عن التشخيص الطبي الذي يقوم على تحليل شامل للحالة وربط الأعراض بالسياق الصحي للمريض، إلى جانب الاعتماد على الفحوصات السريرية والمخبرية.
ومن أبرز المجالات التي يظهر فيها هذا السلوك، أمراض الجهاز التنفسي. إذ يتم أحياناً تفسير أعراض مثل السعال أو الزكام على أنها التهابات بكتيرية، ما يدفع بعض الأشخاص إلى استعمال المضادات الحيوية دون وصفة طبية. غير أن تقديرات طبية تشير إلى أن نحو 80 في المائة من حالات أمراض الجهاز التنفسي العلوي تكون فيروسية ولا تحتاج إلى هذه الأدوية، وهو ما قد يسهم في تعزيز مقاومة المضادات الحيوية وتقليل فعاليتها مستقبلاً.
ولا يقتصر الأمر على الجهاز التنفسي، بل يمتد أيضاً إلى أمراض الجهاز الهضمي، حيث قد يتم اللجوء إلى أدوية موجهة لعلاج جرثومة المعدة أو القولون العصبي عند ظهور أعراض عامة مثل آلام البطن أو الإسهال، دون القيام بفحوصات قد تكشف أسباباً مختلفة مثل التسمم الغذائي أو عدوى فيروسية أو اضطرابات عابرة.
كما يُلاحظ، وفق نفس التصريحات، أن جزءاً من الحالات المرتبطة بالتشخيص الذاتي يتعلق بالصحة النفسية، مثل القلق والاكتئاب، إضافة إلى بعض الأمراض الجلدية والهضمية والتنفسية. ويُشار إلى أن البحث المتكرر عن الأعراض قد يؤدي في بعض الحالات إلى تضخيم الإحساس بها ورفع مستويات القلق الصحي لدى الأفراد.
في المقابل، يحذر مختصون في الطب الوقائي والأمراض المعدية من أن الاعتماد على المعلومات المتداولة في المنصات الرقمية قد يؤدي إلى تأخير التشخيص الحقيقي، ما يفاقم الحالة الصحية ويجعل مسار العلاج أكثر تعقيداً في بعض الحالات. كما يشيرون إلى أن هذا السلوك قد يقود إلى استعمال أدوية غير مناسبة أو غير ضرورية.
ويرى أطباء وباحثون في السياسات الصحية أن سهولة الوصول إلى المعلومات الطبية عبر الإنترنت، إلى جانب الرغبة في تجنب كلفة أو وقت الاستشارة الطبية، من أبرز العوامل التي ساهمت في توسع هذه الظاهرة، مع تسجيل توجه لدى بعض المرضى، خصوصاً المصابين بأمراض مزمنة، إلى البحث عن بدائل علاجية دون إشراف طبي.
وأُشير أيضاً إلى تقديرات تفيد بأن نسبة من السكان قد تلجأ إلى تناول أدوية دون استشارة مختص، غير أنني لا أستطيع التحقق من صحة هذه النسبة أو مصدرها بشكل مستقل ضمن المعطيات المتوفرة.
في المحصلة، تعكس هذه الظاهرة تداخل المعرفة الرقمية مع الممارسة الصحية اليومية، لكنها تظل محفوفة بمخاطر علمية وصحية مرتبطة أساساً بسوء التأويل وغياب التقييم الطبي الدقيق لكل حالة على حدة.