الانتفاضة//الحجوي محمد (تقرير وثائقي)
في قلب المغرب، وتحديداً بين جدران إقليم قلعة السراغنة، يعيش طائر لا يشبه أي طائر آخر. لم يختر الغابات أو السهول موطناً، بل فضل سقف بيت مغربي، وشقوق جدار قديم، ودفء عائلة تجمعهما ألفة لا يعرفها البشر إلا مع أقرب الأصدقاء.
اسمه؟ لن تجده في قواميس الطيور العربية، ولا تحمله كشافات علماء الطبيعة بسهولة. هو “طيبيبت” بالدارجة المغربية، أو “فريخت الجامع” في بعض المناطق، أما بالأمازيغية فيُسمى “تاتنبگيت” أو “تبقشيشت”. طائر مغربي بنسبة مئة بالمئة، يحمل في ريشه أسرار أجداد عاشوا على هذه الأرض آلاف السنين.
أول ما يلفت انتباه الباحث في سلوكه، أنه يرفض تماماً فكرة العش التقليدي بين الأغصان. يفضل “طيبيبت” أن يعشش داخل النوافد، وفي ثقوب الجدران، وشقوق البيوت الطينية القديمة. وكأنه شريك في بناء المنزل، لا زائر عابر.
وهذه العادة جعلته قريباً جداً من سكان البيت، لدرجة أن أهل قلعة السراغنة تناقلوا عبر الأجيال حكاية لا تموت: عندما يبدأ “طيبيبت” في إطلاق صوته المميز، فإنه يبشر بقرب قدوم ضيوف. بعضهم يقول أن الطائر ينطق قبل أن يطرق الباب بأكثر من ساعة، وكأنه يحس بما لا يحس به البشر.
ولعل أطرف مشاهده، هي تلك التي تجمعه بالعائلة حول طاولة الأكل. بمجرد أن تجتمع الأسرة، يحضر “طيبيبت” ليقف على حافة النافذة أو فوق مصطبة قريبة، منتظراً دوره في الوليمة. لا يأكل من الصحون، بل يكتفي ببقايا الخبز التي تتساقط، في مشهد يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والطائر.
إنه ليس داجناً، لكنه أيضاً ليس متوحشاً . إنه شريك في الحياة اليومية، عاشق للدفء العائلي، وخبير في قراءة أحوال البيت.
اليوم، ورغم الحداثة والبناء الإسمنتي الذي قلص أماكن التعشيش، لا يزال “طيبيبت” صامداً في قرى قلعة السراغنة وبعض مناطق سوس والأطلس. لكنه يبقى غير معروف للعالم، بلا اسم علمي شائع، وبلا فيلم وثائقي يخلد قصته.
يحق لنا أن نسأل: هل سيبقى هذا الطائر المغربي الأصيل حبيس الحكايات الشفهية، أم سيأتي يوم يُكتب عنه الباحثون، وتُصنع عنه الأفلام، ليُعرف العالم أن في المغرب طائراً ليس كمثله طائر؟