الانتفاضة / نورالهدى العيساوي
دقّ المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة ناقوس التحذير بشأن مستقبل سوق الشغل في المغرب، في ظل تسارع زحف تقنيات الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن السنوات القليلة المقبلة ستحدد بشكل حاسم ملامح هذا التحول.
التقرير، الذي يحمل عنوان “الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل أسواق العمل: تقرير استراتيجي مقارن في أفق 2030-2035”، يرسم صورة مقلقة: حوالي 1.5 مليون وظيفة مهددة بضغوط قوية بفعل الأتمتة في أفق 2030، مقابل 3.1 ملايين وظيفة مرشحة لإعادة تشكيل مهامها بشكل جذري. وفي المقابل، لا يتوقع أن يتجاوز عدد مناصب الشغل التي سيخلقها الاقتصاد الرقمي سقف 180 ألف وظيفة، ما يعمّق فجوة التحول.
ولم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي محصوراً في الأعمال البسيطة أو المتكررة، إذ يشير التقرير إلى امتداده نحو وظائف معرفية وإدارية، بعدما باتت الأنظمة الذكية قادرة على تنفيذ مهام كانت تُسند تقليدياً للموظفين الجدد والأطر المتوسطة.
هذا التحول لا يقتصر على المغرب فقط، بل يشمل العالم العربي ككل، حيث يُرجح أن يشهد نحو 8 ملايين منصب شغل تغيراً في محتواه المهني خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع تسارع اعتماد المؤسسات الكبرى على الحلول الذكية. وقد بدأت ملامح هذا التحول بالظهور فعلياً عبر موجات تسريح “تقنية” شهدتها شركات دولية مثل Amazon وAccenture خلال 2025 و2026.
وفي تصنيفه لمستوى التعرض، وضع التقرير المغرب ضمن “المنطقة الوسطية الاستراتيجية”، أي في موقع بين الاقتصادات الأكثر هشاشة وتلك الأقل تأثراً. وتتراوح نسبة التعرض التقني في المملكة ما بين 16 و21 في المائة، مقارنة بـ23 في المائة في السعودية، و17 في المائة في مصر، وبين 16 و22 في المائة في تونس، فيما تبقى محدودة في كوت ديفوار.
ويُعزى هذا الوضع، وفق التقرير، إلى طبيعة الاقتصاد المغربي القائم على قطاع الخدمات، خاصة في مجالات الأبناك والتأمين والأوفشورينغ، وهي قطاعات تجعل البلاد أكثر انكشافاً على التحولات الرقمية، لكنها في الوقت نفسه تتيح فرصاً لبناء كفاءات قادرة على التكيف مع هذه المتغيرات.
الفئات الهشة تتصدر المشهد، حيث يحذر التقرير من أن الشباب سيكونون في مقدمة المتضررين، نتيجة تقلص فرص الولوج إلى الوظائف الأولية. كما تواجه النساء مخاطر مضاعفة، بحكم تمركز نسبة مهمة منهن في وظائف إدارية وتجارية قابلة للأتمتة.
أما الاقتصاد غير المهيكل، الذي يستوعب نحو 67.6 في المائة من اليد العاملة، فيبدو أقل تأثراً بشكل مباشر في المرحلة الحالية، غير أنه مهدد بالإقصاء من ثمار النمو المرتبطة بالتحول الرقمي.
ويعدد التقرير أربعة تحديات كبرى تلوح في الأفق: اتساع الفجوة بين الأجيال، تنامي مخاطر الانحياز الخوارزمي، تعمق التبعية التكنولوجية للخارج، ثم احتمال دخول المنطقة في موجة ثانية من الأتمتة بعد 2035 ستشمل قطاعات الفلاحة والبناء واللوجستيك.
وفي ختام قراءته، يدعو التقرير إلى الانتقال من منطق التتبع المتأخر إلى الرصد الفوري لسوق الشغل، مع إعادة تصميم منظومة الحماية الاجتماعية لتصبح أكثر مرونة، إلى جانب الاستثمار في السيادة الرقمية عبر تطوير حلول وبيانات محلية تحفظ القيمة داخل الاقتصاد الوطني.