الحكامة في تنزيل مدونة الأخلاقيات القضائية: بين التأطير المعياري وفعالية الممارسة.

0

الانتفاضة/ بقلم :حَبيل رشيد.

لا شك أن مدونة الأخلاقيات القضائية الصادرة بتاريخ 8 مارس 2021 تشكل محطة مفصلية ضمن مسار إعادة هيكلة المنظومة القضائية المغربية على أسس معيارية دقيقة، حيث إن هذه المدونة لا تندرج ضمن النصوص التكميلية ذات الطابع الإجرائي، وإنما تندمج في صلب البناء الدستوري الذي أعاد تعريف موقع السلطة القضائية وحدود اشتغالها، ومن ثم فإن تحليل حكامة تنزيلها يقتضي استحضار شبكة معقدة من المحددات القانونية والدستورية والمؤسساتية التي تتقاطع فيما بينها لتؤسس لنموذج قضائي قيمي يستند إلى مبدأ التلازم بين الاستقلال والمساءلة، ويؤكد أن الوظيفة القضائية لم تعد مجرد تطبيق آلي للقانون، وإنما ممارسة مؤطرة بقواعد سلوكية صارمة تضبط علاقة القاضي بذاته وبمحيطه المهني والمجتمعي.

ومن المؤكد أن المدخل الدستوري يشكل الأساس الأول لفهم طبيعة هذه المدونة، حيث إن دستور 2011 قد أرسى تصورا متقدما لمفهوم السلطة القضائية باعتبارها سلطة مستقلة قائمة الذات، وهو ما ينعكس بوضوح في الفصل 107 الذي نص على استقلالها عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما أن الفصل 111 قد وضع إطاراً متوازناً لممارسة القاضي لحرياته الأساسية، مؤكداً على حقه في التعبير والانتماء الجمعوي، مع إخضاع هذه الحقوق لواجب التحفظ والأخلاقيات المهنية، الأمر الذي يعكس إرادة دستورية في ضبط المجال السلوكي للقاضي ضمن حدود تحمي هيبة القضاء وثقة المتقاضين، إضافة إلى ذلك فإن الفصل 113 قد أسند للمجلس الأعلى للسلطة القضائية مهمة السهر على تطبيق الضمانات المخولة للقضاة، بما في ذلك التأديب، وهو ما يمنح هذا المجلس دوراً محورياً في تفعيل مقتضيات المدونة وضمان احترامها.

وعلاوة على ذلك، فإن البعد التوجيهي الذي كرسته الخطب الملكية يضفي على المدونة طابعاً استراتيجياً يتجاوز الإطار القانوني الضيق، حيث إن التأكيد المتكرر على تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة يعكس توجهاً إرادياً نحو بناء قضاء يتسم بالنزاهة والفعالية، وبالتالي فإن المدونة تأتي كترجمة عملية لهذه التوجيهات، حيث تسعى إلى تحويل القيم المجردة إلى قواعد سلوكية ملزمة، الأمر الذي يجعلها جزءاً من مشروع إصلاحي شامل يستهدف تعزيز الثقة في العدالة باعتبارها ركيزة أساسية لدولة الحق والقانون.

ومن جهة أخرى، فإن حكامة تنزيل هذه المدونة تقوم على بنية مؤسساتية متعددة المستويات، تعكس توجهاً نحو تحقيق التوازن بين المركزية في التأطير واللامركزية في التنفيذ، حيث تم إحداث لجنة الأخلاقيات ودعم استقلال القضاة على المستوى المركزي، والتي تضطلع بوظائف التتبع والتقويم وتقديم الآراء الاستشارية، وهو ما يجعلها جهازاً معيارياً يسهم في توحيد تفسير مقتضيات المدونة وضمان انسجام تطبيقها، كما أن هذه اللجنة تتولى معالجة الإحالات المرتبطة بمحاولات التأثير على القضاة، مما يعزز دورها في حماية الاستقلال القضائي من أي تدخل خارجي.

وفي المقابل، تم إرساء آلية مستشاري الأخلاقيات على المستوى المحلي، حيث يتولى الرؤساء الأولون والوكلاء العامون للملك مهمة تقديم الاستشارة للقضاة في ما يتعلق بالإشكالات الأخلاقية التي قد تعترضهم أثناء ممارسة مهامهم، مع ضمان السرية المهنية، وهو ما يعكس توجهاً حديثاً في تدبير الأخلاقيات يقوم على الوقاية والتأطير بدل الاقتصار على الزجر، ومن ثم فإن هذه الثنائية المؤسساتية تسهم في بناء حكامة مرنة تستجيب لمتطلبات الواقع القضائي، وتتيح إمكانية التفاعل السريع مع مختلف الحالات.

كما أن المدونة قد أرست منظومة متكاملة من المبادئ التي تؤطر السلوك القضائي، والتي تتوزع بين الاستقلال والحياد والمساواة والنزاهة والكفاءة والجرأة والتحفظ واللباقة والتضامن، وهي مبادئ تتقاطع فيما بينها لتشكل نسقاً قيمياً متماسكاً، حيث إن كل مبدأ يكمل الآخر ويعزز فعاليته، وبالتالي فإن المدونة لا تقدم قواعد منفصلة، وإنما تبني منظومة أخلاقية شاملة تستهدف تحقيق التوازن بين مختلف أبعاد الوظيفة القضائية، كما أن هذه المبادئ تستمد جزءاً من مرجعيتها من المواثيق الدولية، مع تكييفها بما يتلاءم مع الخصوصية الوطنية، الأمر الذي يعكس انفتاح المشرع المغربي على التجارب المقارنة.

وفي هذا السياق، يبرز مبدأ التحفظ كأحد أهم الركائز التي تستجيب للتحولات الراهنة، حيث إن انخراط القاضي في الفضاء الرقمي يفرض عليه التزاماً مضاعفاً بضوابط التعبير، تفادياً لأي مساس بصورة القضاء أو تأثير على حياده، وبالتالي فإن المدونة قد وضعت قواعد دقيقة تنظم علاقة القاضي بوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير وضرورة الحفاظ على الثقة العامة، وهو ما يعكس وعياً تشريعياً بضرورة مواكبة التطورات التكنولوجية وتأثيرها على العمل القضائي.

أما على مستوى المسؤولية التأديبية، فإن المدونة ترتبط بنظام قانوني صارم يهدف إلى ضمان احترام مقتضياتها، حيث إن الإخلال بالمبادئ الأساسية، كالنزاهة والاستقلال، يعد خطأ جسيماً يستوجب اتخاذ إجراءات تأديبية قد تصل إلى العزل، وهو ما يعكس حرص المشرع على حماية هيبة القضاء وصون ثقة المواطنين فيه، كما أن إلزام القضاة بالتصريح بممتلكاتهم يشكل آلية رقابية تهدف إلى تعزيز الشفافية والحد من مظاهر الإثراء غير المشروع، وبالتالي فإن المسؤولية هنا تتخذ بعداً شاملاً يجمع بين الأخلاقي والمالي.

غير أن تنزيل هذه المدونة يواجه مجموعة من التحديات العملية التي تفرض قراءة نقدية متأنية، حيث إن التحدي الأول يتمثل في مدى ترسيخ الثقافة الأخلاقية داخل الجسم القضائي، إذ إن الامتثال للنصوص لا يتحقق بمجرد الإلزام القانوني، وإنما يتطلب تكويناً مستمراً وتأهيلاً مهنياً يعزز الوعي بالقيم ويحولها إلى ممارسة يومية، كما أن التحدي الثاني يرتبط بتحقيق التوازن بين استقلال القاضي وخضوعه للمساءلة، حيث إن أي اختلال في هذا التوازن قد يؤدي إلى نتائج سلبية تمس إما بالاستقلال أو بالثقة في القضاء.

إضافة إلى ذلك، فإن التحولات الرقمية تفرض تحديات جديدة تتعلق بكيفية ضبط سلوك القضاة في الفضاء الإلكتروني، حيث إن سرعة انتشار المعلومات واتساع نطاق التأثير الإعلامي قد يؤديان إلى تأويلات غير دقيقة لمواقف القضاة، مما يستدعي تطوير آليات تأطير مرنة قادرة على مواكبة هذه التحولات دون المساس بجوهر المبادئ، وبالتالي فإن الحكامة الفعالة تقتضي يقظة مستمرة وقدرة على التكيف مع المستجدات.

كما أن من الثابت أن نجاح هذه المدونة يرتبط بمدى قدرتها على التحول من نص قانوني إلى ثقافة مؤسساتية راسخة، حيث إن القيم الأخلاقية لا تفرض فقط عبر النصوص، وإنما تترسخ من خلال الممارسة اليومية والتكوين المستمر، ومن ثم فإن إدماج هذه المدونة في برامج تكوين القضاة يشكل خطوة أساسية نحو تحقيق هذا الهدف، إذ إن التكوين يسهم في تعزيز الوعي بالمبادئ وتحويلها إلى سلوك عملي يعكس صورة قاضٍ ملتزم بقيم العدالة.

وفي سياق متصل، فإن الحكامة في تنزيل المدونة تقتضي اعتماد مقاربة تشاركية تشمل مختلف الفاعلين في الحقل القضائي، بما في ذلك القضاة أنفسهم، والمؤسسات القضائية، والهيئات المهنية، حيث إن إشراك هذه الأطراف يسهم في تعزيز فعالية التطبيق وضمان انسجامه مع الواقع، كما أن هذا الانخراط الجماعي يعزز الشعور بالمسؤولية ويكرس ثقافة الامتثال الطوعي، وهو ما يشكل أحد مقومات الحكامة الجيدة.

كما أن التقييم الدوري لمدى تطبيق المدونة يشكل آلية أساسية لضمان فعاليتها، حيث إن هذا التقييم يتيح إمكانية رصد الاختلالات واقتراح الحلول المناسبة، وبالتالي فإن الحكامة لا تقتصر على وضع القواعد، وإنما تشمل أيضاً مراقبة تنفيذها وتطويرها بشكل مستمر، بما يتلاءم مع تطور الممارسة القضائية.

ومن زاوية أخرى، فإن المدونة تسهم في تعزيز الثقة في القضاء من خلال تكريس مبادئ الشفافية والنزاهة، حيث إن وضوح القواعد الأخلاقية يمكن المتقاضين من معرفة المعايير التي تحكم سلوك القضاة، مما يعزز الشعور بالإنصاف ويقوي الثقة في الأحكام القضائية، وبالتالي فإن المدونة لا تخدم فقط القضاة، وإنما تمتد آثارها إلى المجتمع ككل.

وفي هذا الإطار، يتبين أن حكامة تنزيل مدونة الأخلاقيات القضائية تشكل مشروعاً متكاملاً يستهدف بناء قضاء قيمي متجدد، قادر على التوفيق بين متطلبات الاستقلال وضوابط المسؤولية، وبين مقتضيات القانون وإكراهات الواقع، وهو ما يجعل هذا الورش مفتوحاً على التطوير المستمر، حيث إن تحقيق أهدافه يظل رهيناً بمدى تضافر الجهود واستمرارية الإصلاح، إضافة إلى ترسيخ ثقافة أخلاقية تجعل من القاضي فاعلاً واعياً بدوره ومسؤولياته، ومؤمناً بأن العدالة لا تتحقق فقط بتطبيق القانون، وإنما أيضاً بالالتزام بقيم النزاهة والحياد والموضوعية… وهي غاية تتطلب يقظة دائمة، وإرادة مؤسساتية راسخة، وانخراطاً فعلياً في مسار التحديث القضائي الذي يشهده المغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.