حين يتحول العمل الحزبي إلى سوق..

الانتفاضة // عزيز الدروش 

في لحظة سياسية دقيقة، يخرج إعلامي معروف بتصريحات خطيرة تتهم قيادات حزبية بارزة في المغرب بالاتجار في التزكيات الانتخابية. اتهامات، إن ثبتت، لا تمس فقط أشخاصًا بعينهم، بل تضرب في العمق ما تبقى من ثقة في العملية الديمقراطية برمتها. إنها ليست مجرد قضية فساد عابرة، بل عنوان لانهيار أخلاقي وسياسي يهدد جوهر الدولة ومشروعية مؤسساتها.
ولأن الوضوح شرط أساسي لأي إصلاح حقيقي، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي تسمية الفاعلين ومواقعهم كما يتم تداولهم في النقاش العمومي:
عزيز أخنوش الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، والذي يثير موقعه كفاعل اقتصادي وسياسي تساؤلات حول تضارب المصالح وطبيعة تدبير التزكيات داخل الحزب.
إدريس لشكر زعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والذي يتهمه منتقدوه بإحكام السيطرة على الحزب وإقصاء الأصوات المعارضة.
نبيل بنعبد الله الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، وسط جدل داخلي حول الديمقراطية التنظيمية وشرعية بعض الاختيارات القيادية.
محمد أوزين – الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، حيث تُطرح تساؤلات حول أساليب تدبير الترشيحات والقيادة الحزبية.
إن الإشكال هنا لا يتعلق فقط بأشخاص، بل بنمط تدبير سياسي يقوم على احتكار القرار، وإضعاف الديمقراطية الداخلية، وتحويل الأحزاب من مؤسسات للتأطير إلى أدوات انتخابية مغلقة.
أمام هذه المعطيات، تبرز أسئلة موجعة لا يمكن القفز عليها:
أين القانون؟
القانون ليس نصوصًا جامدة، بل هو الضامن لعدالة المنافسة السياسية. فإذا تحولت التزكيات إلى سلعة، فإننا أمام جريمة تُفرغ الانتخابات من معناها.
أين النيابة العامة؟
المطلوب اليوم فتح تحقيق جدي ومسؤول. الصمت في مثل هذه القضايا لا يُفسر إلا كضعف في حماية الحق العام، أو كتأجيل للحقيقة.
أين المؤسسات الدستورية؟
هذه المؤسسات وُجدت لضمان النزاهة والشفافية، لا لتكون مجرد واجهات شكلية. استمرار صمتها يكرس الإحساس بـديمقراطية الواجهة.
أين مناضلو الأحزاب؟
كيف يقبل مناضل شريف أن تتحول التزكية إلى سلعة؟ أين القيم التي تأسست عليها هذه التنظيمات؟ إن الصمت الداخلي أخطر من الفساد نفسه.
أين الشعب؟
الشعب هو مصدر السلطة، لكنه حين يقبل بهذا الواقع، يصبح جزءًا من استمراره. التغيير يبدأ برفض هذه الممارسات وفرض بدائل حقيقية.
ومن زاوية أخلاقية ودينية، فإن ما يُتداول إن ثبت ، يدخل في باب أكل أموال الناس بالباطل، وهو مما حرمه الله تحريمًا قاطعًا. قال تعالى:
“ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون”.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من غشّنا فليس منا”.
فأي غشّ أكبر من بيع إرادة المواطنين وتحويل التمثيلية الشعبية إلى صفقة؟
إن حلمنا بمغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ليس شعارًا، بل مشروعًا يتطلب القطع مع الفساد السياسي وربط المسؤولية بالمحاسبة. مغرب بدون فقراء ممكن، إذا وُضعت ثروات البلاد في خدمة الشعب، لا في خدمة لوبيات ضيقة.
إنني، كفاعل سياسي، أؤمن أن الإصلاح يبدأ من الجرأة في قول الحقيقة.
فهل نمتلك جميعًا الشجاعة لنقول: كفى؟

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

التعليقات مغلقة.