الانتفاضة // بقلم: ابو سعد عبد الحي نافعي
في خضم التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، يظل سؤال النخبة السياسية الشابة أحد أبرز التحديات المطروحة بإلحاح.
فبين طموح التجديد وضرورة الاستمرارية، يبرز إشكال جوهري يتمثل في نوعية الكفاءات التي ينبغي أن تتصدر المشهد السياسي، ومدى قدرتها على الجمع بين التأهيل العلمي، والوعي السياسي، والأخلاق العامة.
أزمة خطاب أم أزمة تكوين؟
إن ما بات يُعرض أحيانًا عبر بعض المنابر الإعلامية لا يعكس فقط ضعفًا في الأداء الخطابي، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالتكوين السياسي والثقافة العامة.
فحين يتحول النقاش من فضاء لتبادل الرؤى إلى ساحة للارتجال والتبخيس، فإننا نكون أمام ما يمكن تسميته بـ”الإفلاس السياسي”، الذي يترافق غالبًا مع “بوار أخلاقي” و”تصحر فكري”.
هذه الظواهر لا يمكن اختزالها في حالات فردية، بل تستدعي قراءة بنيوية لمنظومة التأطير الحزبي والتنشئة السياسية، التي يفترض أن تُخرج نخبًا قادرة على النقاش الرصين، والترافع المسؤول، واحترام الرأي الآخر.
جدلية الشباب والتجربة
لا خلاف في أن الشباب يمثل رافعة أساسية لأي مشروع مجتمعي، غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في السن بقدر ما يكمن في الكفاءة.
فالشباب السياسي المنشود هو ذاك الذي يجمع بين الحيوية الفكرية والرصانة الأخلاقية، ويستفيد من تجارب من سبقوه بدل القطيعة معها.
في التجارب الديمقراطية المتقدمة، يُلاحظ أن العلاقة بين الأجيال السياسية تقوم على التكامل لا التصادم؛ حيث يُنظر إلى أصحاب التجارب الطويلة كخزان للخبرة، وليس كعائق أمام التجديد.
ومن هنا، فإن احترام رمزية التجربة السياسية يشكل مؤشرًا على نضج الفاعل السياسي، وليس على تبعيته.
أخلاقيات الممارسة السياسية
إن الأخلاق ليست عنصرًا ثانويًا في العمل السياسي، بل هي أساس الشرعية والمصداقية.
فكلما تراجع منسوب الأخلاق في الخطاب والممارسة، تآكلت ثقة المواطنين في المؤسسات.
وعليه، فإن تأهيل الشباب سياسيًا يجب أن يوازيه تأهيل أخلاقي يُرسّخ قيم الاحترام، والتواضع، والإنصات.
نحو نموذج سياسي متجدد
إن الحاجة اليوم ملحّة لإعادة الاعتبار لمفهوم “النخبة”، ليس بمعناه الإقصائي، بل بوصفه تعبيرًا عن التميز والكفاءة.
فالمغرب، في سياق رهاناته التنموية والديمقراطية، يحتاج إلى شباب:
متضلعين سياسيًا ومتمكنين معرفيًا
منفتحين على التجارب الوطنية والدولية
مؤمنين بقيم الحوار والتعدد
متشبثين بأخلاقيات العمل العام
إن مشاهد الضعف التي قد تطفو أحيانًا على سطح النقاش العمومي لا ينبغي أن تُفقدنا الثقة في طاقات شبابنا، بل يجب أن تدفعنا إلى مراجعة آليات التأطير والتكوين.
فبناء مستقبل سياسي واعد يمر حتمًا عبر الاستثمار في الإنسان، وإعداد جيل جديد قادر على حمل المشعل بكفاءة ومسؤولية.
وفي انتظار ذلك، يبقى الأمل معقودًا على وعي جماعي يُعيد الاعتبار للسياسة كنبالة، لا كمجال للعبث، ويجعل من عبارة: “سِير على الله دابا يفرج الله” تعبيرًا عن التفاؤل المسؤول، لا عن الاستسلام للأمر الواقع.
التعليقات مغلقة.