الانتفاضة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ لِلَّهِ، أَعْظَمَ لِلْمُتَّقِينَ العَامِلِينَ أُجُورَهُمْ، وَشَرَحَ بِالهُدَى وَالخَيْرَاتِ صُدُورَهُمْ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَفَّقَ عِبَادَهُ لِلطَّاعَاتِ وَأَعَانَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ عَلَّمَ أَحْكَامَ الدِّينِ وَأَبَانَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَهْلِ الْهُدَى وَالإِيمَانِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِيمَانٍ وَإِحْسَانٍ مَا تَعَاقَبَ الزَّمَانُ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:
وَهَا نَحْنُ اليَوْمَ، وَقَدْ مَضَى أَكْثَرُ أَيَّامِ العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَتَعَالَوْا لِنَغْتَنِمَ مَا تَبَقَّى، فَوَاللَّهِ مَا بَقِيَ إِلَّا القَلِيلُ، وَالعُمْرُ كُلُّهُ قَصِيرٌ، فَكَيْفَ بِبَقِيَّةِ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ؟!
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤْمِنُونَ، إِنَّهَا العَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ، وَهِيَ مِحْطَةُ الفُرْصَةِ الأَخِيرَةِ لِمَنْ فَاتَهُ القِطَارُ، وَهِيَ سُوقُ الخَيْرِ الرَّابِحَةُ الَّتِي لَا يَنْفَضُّ إِلَّا وَقَدْ رَبِحَ فِيهَا مَنْ جَدَّ وَاجْتَهَدَ، وَخَسِرَ فِيهَا مَنْ فَرَّطَ وَغَفَلَ.
إِنَّ العَشْرَ الأَوَاخِرَ هِيَ خُلَاصَةُ رَمَضَانَ وَلُبَابُهُ، فِيهَا كَانَ هَدْيُ النَّبِيِّ صلى الله علليه وسلم إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. إِنَّهُ شَهْرُ الجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، فَكَيْفَ بِخِتَامِهِ؟ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ، فَمَنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ فَلْيَتَدَارَكْ فِي آخِرِهِ، وَمَنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَلْيَزْدَدْ مِنَ الخَيْرِ، فَمَا نَدْرِي لَعَلَّنَا لَا نُدْرِكُهَا مَرَّةً أُخْرَى.
وَقَدِ اخْتَصَّ اللَّهُ هَذِهِ العَشْرَ بِلَيْلَةٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، لَيْلَةِ القَدْرِ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا القُرْآنُ، لَيْلَةٍ تَتَنَزَّلُ فِيهَا المَلَائِكَةُ بِالرَّحْمَةِ وَالبَرَكَةِ، لَيْلَةِ سَلَامٍ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ. إِنَّهَا لَيْلَةٌ لَا يَعْرِفُهَا الكَثِيرُونَ إِلَّا اسْمًا، وَلَكِنْ هَلْ وَقَفْنَا مَعَهَا وَقْفَةَ حَقٍّ؟ هَلْ تَصَوَّرْنَا عَظَمَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ إِنَّ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ كُلَّهُ.
تَأَمَّلُوا مَعِي: عِبَادَةُ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ تَعْدِلُ عِبَادَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ! لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا عُمْرُهُ كُلُّهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، لَمْ يَغْفُلْ لَحْظَةً، لَمْ يَنَمْ لَيْلًا، لَمْ يَفْتُرْ نَهَارًا، لَكَانَ ثَوَابُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً هُوَ ثَوَابُ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَنْ أَقَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا. يَا لَلَّهِ! هَذَا فَضْلٌ عَظِيمٌ، وَهَذَا كَرَمٌ كَبِيرٌ.
وَلَكِنْ مَا عَلَامَةُ مَنْ وُفِّقَ لِقِيَامِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَّا وَقَدْ تَغَيَّرَ حَالُهُ، إِنَّهُ يَخْرُجُ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. فَاللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِقِيَامِهَا وَاجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ.
ثُمَّ إِنَّهُ مَعَ هَذَا الِاجْتِهَادِ فِي العِبَادَةِ، لَا نَنْسَى أَنَّ لِرَمَضَانَ وَقْفَةً أُخْرَى مَعَ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، إِنَّهَا زَكَاةُ الفِطْرِ، أَوْ صَدَقَةُ الفِطْرِ، الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ.
وَهَنَا وَقْفَةٌ مُهِمَّةٌ: كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ مُجَرَّدُ عَادَةٍ أَوْ تَقْلِيدٍ، أَوْ أَنَّهَا قُوتٌ بَسِيطٌ يُخْرِجُهُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ صَبَاحِ العِيدِ، لَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ لَهَا مَقَاصِدُ سَامِيَةٌ.
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ لِتَزْكِيَةِ نُفُوسِنَا، إِنَّهَا تُطَهِّرُ صِيَامَنَا مِنَ النَّقْصِ الَّذِي قَدْ يَقَعُ فِيهِ، فَالصَّائِمُ قَدْ يَقَعُ فِي لَغْوِ الحَدِيثِ، وَقَدْ يَرْفُثُ، وَقَدْ يَغْتَابُ، وَقَدْ يَفْعَلُ مَا يُخِلُّ بِصِيَامِهِ، فَهَذِهِ الصَّدَقَةُ تَأْتِي لِتَجْبُرَ هَذَا الخَلَلَ، فَتَكُونَ بِمَثَابَةِ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ.
كَمَا أَنَّ فِيهَا وَقْفَةً مَعَ المُجْتَمَعِ المُسْلِمِ، إِنَّهَا تُشْرَعُ لِإِغْنَاءِ الفُقَرَاءِ عَنِ السُّؤَالِ فِي يَوْمِ العِيدِ، يَوْمِ الفَرَحِ وَالسُّرُورِ. تَخَيَّلُوا مَعِي فَقِيرًا جَائِعًا، وَأَوْلَادَهُ جِيَاعٌ، وَالنَّاسُ تَفْرَحُ وَتَلْبَسُ الجَدِيدَ وَتَأْكُلُ، وَهُوَ لَا يَجِدُ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَ أَطْفَالِهِ! كَيْفَ سَيَكُونُ شُعُورُهُ؟ إِنَّهَا لَفْتَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ أَنْ نُشَارِكَهُمْ فَرَحَتَنَا، وَأَنْ نُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى قُلُوبِهِم.
لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْرِضُهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، حُرٍّ وَعَبْدٍ، طُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ. وَمَا أَجْمَلَ أَنْ نُخْرِجَهَا قَبْلَ العِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِيَتَسَنَّى لِلْفَقِيرِ أَنْ يَشْتَرِيَ حَاجَاتِهِ وَيَسْتَعِدَّ لِلعِيدِ مِثْلَنَا.
وَهَنَا يَتَجَلَّى التَّرَابُطُ العَجِيبُ بَيْنَ هَذِهِ الشَّعَائِرِ:
فَنَحْنُفِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ نَجْتَهِدُ فِي العِبَادَةِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ، نَطْلُبُ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا.
وَمَعَهَذَا الِاجْتِهَادِ، نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ لِتَكُونَ طُهْرَةً لِصِيَامِنَا وَجَبْرًا لِنَقْصِهِ.
فَنَحْنُنَصِلُ بَيْنَ العِبَادَةِ الرُّوحِيَّةِ الخَالِصَةِ وَبَيْنَ العِبَادَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ.
إِنَّ هَذَا الدِّينَ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالجَسَدِ، وَلَا بَيْنَ العِبَادَةِ وَالمُعَامَلَةِ، وَلَا بَيْنَ الخُشُوعِ فِي المِحْرَابِ وَالجُودِ عَلَى المُحْتَاجِ. إِنَّنَا نَصُومُ فَنَصْبِرُ عَلَى الجُوعِ وَالعَطَشِ لِنَشْعُرَ بِمُعَانَاةِ الفَقِيرِ، ثُمَّ نُخْرِجُ صَدَقَةَ الفِطْرِ لِنَكُونَ مُعِينًا لَهُ.
أَلَا تَرَوْنَ مَعِي كَيْفَ أَنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ المُبَارَكَاتِ تَجْمَعُنَا عَلَى الخَيْرِ، تَجْمَعُنَا عَلَى الطَّاعَةِ، تَجْمَعُنَا عَلَى التَّكَافُلِ، تَجْمَعُنَا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى؟
إِنَّهَا دُرُوسٌ عَظِيمَةٌ، وَلَكِنْ هَلْ نَعِيهَا؟ هَلْ نُطَبِّقُهَا؟ هَلْ نَخْرُجُ مِنْهَا وَقَدْ تَغَيَّرْنَا إِلَى الأَفْضَلِ؟
أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنَّ مَا تَبَقَّى مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، وَلَيَالٍ فَاضِلَاتٌ، فَاغْتَنِمُوهَا بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ. لَا تَدَعُوا فُرْصَةً تَمُرُّ دُونَ أَنْ تَكْتُبُوا بِهَا أَعْظَمَ الأُجُورِ.
وَإِيَّاكُمْ وَالتَّسْوِيفَ، فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ قَالَ: “سَأَفْعَلُ غَدًا” وَإِذَا بِهِ لَا يُدْرِكُ الغَدَ. كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّيَالِيَ فَإِذَا بِهِ فِي قَبْرِهِ وَحِيدًا. فَلَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي بَقِيَّةِ رَمَضَانَ، وَبَلِّغْنَا لَيْلَةَ القَدْرِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، وَقَبْلَ أَنْ نَخْتَتِمَ، تَذَكَّرُوا إِخْوَانَكُمُ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، الَّذِينَ يُعَانُونَ وَيْلَاتِ الحُرُوبِ وَالمَجَاعَاتِ، ادْعُوا لَهُمْ، وَأَخْرِجُوا صَدَقَاتِكُمْ بِنِيَّةِ تَعْجِيلِ فَرَجِهِمْ، فَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ.
إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، فَاجْتَهِدُوا، وَادْعُوا، وَتَضَرَّعُوا، فَلَعَلَّ سَاعَةً صَادِقَةً فِي هَذِهِ اللَّيَالِي يَفْتَحُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَتَكُونُوا مِنَ الفَائِزِينَ.
أَسْأَلُ اللَّهَ لِي وَلَكُمُ القَبُولَ، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الأَعْمَالِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
التعليقات مغلقة.