الانتفاضة // زكرياء نمر
الأزمة ليست في تبدل الحكومات، بل في ثبات الذهنية. ذهنية ترى الدولة غنيمة، والدستور اجراء شكليا، والاقتصاد موردا لتثبيت النفوذ.
ما نعيشه ليس تعثرا عاديا في الإدارة، بل فشل بنيوي في تأسيس الفكرة نفسها فكرة الدولة بوصفها كيانا محايدا يحتكم اليه الجميع، لا أداة بيد جماعة بعينها.
الدولة تبدأ بفكرة أخلاقية أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون.
لكن حين تتقدم العصبية على المواطنة، تنهار الفكرة من أساسها.
تتحول الهوية الوطنية إلى شعار احتفالي، بينما الهوية القبلية تصبح المرجع الحقيقي في توزيع القوة والموارد.
الأنظمة السياسية، بدل أن تعيد صياغة العقد الاجتماعي على أساس المواطنة، تتكيف مع الواقع القبلي وتستثمره.
تغذي الانقسامات وتعيد إنتاجها، لانها تمنحها شرعية سهلة تقوم على توازنات اجتماعية لا على تفويض شعبي حقيقي.
وهكذا تبقى الدولة رهينة حسابات الولاء لا معايير الكفاءة.
الدساتير في كثير من بلداننا تكتب بلغة جميلة فصل بين السلطات، استقلال القضاء، حقوق وحريات. لكن النصوص تفقد قيمتها حين لا تحميها ثقافة سياسية تؤمن بها.
ما يحدث فعليا أن القوانين تفصل لخدمة النخبة الحاكمة، ويعين القضاة وفق اعتبارات سياسية او قبلية، ويفرغ البرلمان من دوره الرقابي عبر صفقات وتحالفات مبنية على المحاصصة.
بهذا المعنى لا يكون الدستور مرجعا أعلى، بل أداة مرنة تعدل او تفسر بحسب مصلحة السلطة.
وحين يغيب القضاء المستقل، يصبح القانون سلاحا ضد الخصوم لا درعا للحقوق.
الاقتصاد في ظل هيمنة القبيلة لا يدار بمنطق السوق ولا بمنطق التخطيط العلمي، بل بمنطق من معنا ومن علينا.
تتحول مؤسسات الدولة الى مخازن بطالة مقنعة، ويتم تعيين ابناء القبيلة او الحلفاء السياسيين لارضاءهم لا لحاجة المؤسسة اليهم.
تمنح العقود والمناقصات لشركات مرتبطة باصحاب النفوذ بغض النظر عن الكفاءة او الشفافية.
تدار الموارد الطبيعية بعقلية التوزيع السياسي لا الاستثمار طويل الامد.
الفساد لا يعد انحرافا فرديا بل يصبح جزءا من الية الحكم. النتيجة اقتصاد هش يعتمد على مورد واحد او مساعدات خارجية، بلا تنويع حقيقي أو قاعدة انتاجية صلبة.
الشاب العاطل لا يرى في الدولة افقا، بل يرى فيها شبكة مغلقة لا يدخلها إلا من يحمل بطاقة الانتماء.
الإدارة العامة يفترض ان تقوم على المهنية والحياد.
لكن حين تصبح المناصب مكافآت سياسية او قبلية، تتراجع الكفاءة.
المدير يعين لانه يمثل جماعته لا لانه الاكثر خبرة. القرارات تتخذ لارضاء توازنات لا لتحقيق نتائج. هنا تتاكل ثقة المواطن، فهو لا يتعامل مع مؤسسة بل مع أفراد، ولا يثق بالأجراء بل يبحث عن وسيط.
ومع الوقت تنتشر ثقافة المعرفة اهم من الحق، ويصبح الوصول الى الخدمة مرهونا بالعلاقات لا بالقانون.
سيطرة القبيلة على مفاصل الدولة لا تنتج فقط فسادا إداريا، بل تعمق الانقسامات الاجتماعية. حين يشعر مواطن بان الدولة لا تمثله بل تمثل جماعة أخرى، يتآكل الانتماء الوطني.
يتراجع الولاء العام لصالح ولاء خاص، وتتحول الصراعات السياسية الى صراعات هوية.
في هذه البيئة اي ازمة اقتصادية او سياسية يمكن ان تنفجر بسرعة، لانها تجد ارضا خصبة من الاحتقان والشك المتبادل.
الدولة بدل أن تكون مظلة جامعة تصبح ساحة تنافس قبلي مقنع.لا يمكن اعفاء النخب من المسؤولية.
كثير من المثقفين إما صمتوا أو انخرطوا في لعبة المحاصصة. بعضهم برر الواقع بذريعة الخصوصية الثقافية، وكأن العدالة قيمة مستوردة.
والبعض الآخر قبل الامتيازات مقابل الصمت. النقد الحقيقي يبدأ حين تعترف النخبة ان المشكلة ليست في شعب غير جاهز، بل في بنية سلطة لا تريد الإصلاح لأنها تستفيد من الخلل.
كل محاولة اصلاح تصطدم بجدار المصالح.
الإصلاح يعني تقليص الامتيازات، وهذا ما لا تقبله الشبكات المستفيدة.
لذلك نرى اصلاحات شكلية: لجان، خطط، استراتيجيات، مؤتمرات. لكن جوهر النظام يبقى كما هو.
الاصلاح الحقيقي يتطلب استقلالا قضائيا فعليا، وشفافية مالية كاملة في ادارة الموارد، ونظام توظيف قائما على الكفاءة، وتعليما يرسخ المواطنة لا العصبية. من دون ذلك تبقى الدولة أسيرة معادلة قديمة: قبيلة تحمي السلطة وسلطة تغذي القبيلة.
تحرير الدولة من سطوة القبيلة لا يعني الغاء القبيلة ككيان اجتماعي، بل منعها من احتكار المجال العام. المطلوب ثورة وعي تعيد الاعتبار للفرد كمواطن لا كتابع.
الدولة التي لا تعلو فيها فكرة القانون على رابطة الدم ستظل هشة مهما امتلكت من موارد.
الدستور الذي لا يحترم في الممارسة سيبقى نصا بلا حياة، والاقتصاد الذي يدار بالولاء لن ينتج تنمية بل سينتج تفاوتا واحتقانا.
المشكلة ليست تقنية بل اخلاقية وسياسية في جوهرها.
وما لم تسترد الفكرة المؤسسة للدولة، دولة المواطن لا دولة الجماعة، سنبقى نعيد تدوير الازمة ونسمي الفشل استقرارا مؤقتا.
التعليقات مغلقة.