الانتفاضة إضاءة
بقلم : محمد السعيد مازغ
كان الوقت يهرب منه سريعًا، والحملة الانتخابية على الأبواب. لم يعد يؤمن أن المقعد يُنتزع بحسن السيرة أو بشعارات الوطنية، بل بما يُصرف من مال، وما يُحاك من خيوط خلف الستار. قال في نفسه: الفرص لا تنتظر المترددين، ومن يتركها اليوم لغيره يندم غدًا. رخص استغلال الملك العام صارت في نظره بابًا واسعًا، لا يُفتح إلا بمفتاح معلوم… ولكل مفتاح ثمن.
نظر حوله فازداد اقتناعًا. هذا بنى عمارة، وذاك اشترى مطعمًا في أفضل موقع، وآخر يغيّر سيارته كل عام. أما هو، فما جمع إلا القليل، لا يكفي لطموح ولا لسهرات ولا لسفريات. شعر أنه تأخر كثيرًا، وأن عليه أن يعوّض ما فاته قبل أن ينطفئ المصباح.
جاء الرجل الذي طال انتظاره، يحمل حاجة قديمة إلى رخصة استعصت عليه سنوات. جلسا قليلًا، وتبادلا كلمات مختصرة، ثم اتفقا على مبلغ مغرٍ وعلى صمتٍ تام. لا شهود، لا وسطاء، فقط موعد في مكان بعيد عن الأنظار. كان كل شيء يبدو مرتبًا بعناية.
في الموعد المحدد، تسلّم الطرد. فتحه بهدوء، وعدّ الأوراق ورقةً ورقة، وابتسم ابتسامة من يطمئن إلى أن الطريق أصبح معبّدًا أمامه. سلّم الرخصة، وأعاد ترتيب سترته، واستدار بخطوات واثقة نحو سيارته… لحظة واحدة فقط فصلته عن الحلم.
أيدٍ قوية أمسكت به من الخلف. بطاقات مهنية تُرفع في وجهه. كلمات حازمة تقطع الصمت: أنت موقوف. تجمّد في مكانه، والتفت يبحث عن الرجل… فلم يجده. عندها فقط فهم أن الصفقة التي ظنّها سرًّا محكمًا، بدأت منذ البداية بمكالمة قصيرة على الرقم الأخضر.
وفي ثانية واحدة، سقط المقعد قبل أن تبدأ الحملة.
التعليقات مغلقة.