الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
قال راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان التونسي المنحل، إن مستقبل تونس هو «الحرية ودولة القانون والمؤسسات والتداول السلمي للسلطة ولو بعد حين»، وذلك في رسالة وجهها من محبسه إلى أنصار الحركة. وتحمل هذه الرسالة، الصادرة من سجن المرناقية قرب العاصمة تونس، دلالات سياسية ورمزية في سياق تونسي ما يزال يعيش على وقع تحولات عميقة منذ 2021.
وأكد الغنوشي في رسالته أن «الأوطان لا تبنى بالقهر، ولا تستقر بالظلم، وإنما تقوم على الشورى والعدل واحترام إرادة الناس»، معتبرا أن الديمقراطية تمثل آلية سلمية لتداول السلطة وضمانا للحقوق والحريات. وشدد على أن هذه القيم ليست غريبة عن المرجعية الإسلامية، بل منسجمة مع مقاصدها الكبرى في منع الاستبداد وصيانة كرامة الإنسان.
وتأتي هذه التصريحات في ظرف سياسي حساس تمر به تونس، حيث أعيد تشكيل المشهد المؤسساتي بعد حل البرلمان وإعادة هندسة عدد من السلطات. ويعكس خطاب الغنوشي تمسكه بخيار العمل السياسي المدني والسلمي، في مقابل ما يصفه أنصاره بتراجع المسار الديمقراطي. كما يشير إلى محاولة إعادة تأطير النقاش حول علاقة الإسلام السياسي بالديمقراطية، من خلال التأكيد على أن التداول السلمي للسلطة ليس مفهوما دخيلاً، بل يمكن أن يجد له تأصيلا داخل الفكر الإسلامي المعاصر.
ويرى متابعون أن الرسالة موجهة بالأساس إلى قواعد الحركة للحفاظ على تماسكها الداخلي، في ظل الضغوط القضائية والسياسية التي تواجه قياداتها. كما تحمل بعدا رمزيا، إذ يسعى الغنوشي إلى تقديم نفسه بوصفه مدافعا عن خيار الحرية ودولة المؤسسات، حتى وهو خلف القضبان. وفي المقابل، يعتبر منتقدوه أن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعات أعمق للتجربة السياسية السابقة، بما في ذلك أداء الأحزاب خلال سنوات الحكم بعد الثورة.
مهما اختلفت التقييمات، فإن الثابت هو أن الجدل حول الديمقراطية ومستقبل الحكم في تونس ما يزال مفتوحا. وتبقى دعوة الغنوشي إلى الثبات على «خيار السلمية والعمل السياسي المدني» رسالة سياسية بامتياز، تعكس استمرار الصراع بين رؤيتين لمستقبل البلاد: رؤية تؤكد أولوية الاستقرار وإعادة بناء الدولة وفق مقاربة جديدة، وأخرى تشدد على مركزية الحريات والمؤسسات المنتخبة كضامن أساسي لأي استقرار دائم.
وبين هذين التصورين، يظل الأفق التونسي معلقا على قدرة مختلف الفاعلين على إيجاد صيغة توازن تعيد الثقة في العمل السياسي، وتؤسس لمرحلة قوامها الحوار واحترام إرادة المواطنين.
التعليقات مغلقة.