هل ينجح التخليق السياسي في فكّ أزمة الثقة المفقودة؟

أم أنه ما يزال شعارًا أكبر من الممارسة؟

الانتفاضة // إلهام أوكادير

في لحظة سياسية يطبعها اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتجدد النقاش حول ثقة المواطن في الفعل الحزبي، عاد موضوع تخليق الحياة السياسية إلى واجهة الاهتمام داخل الساحة الحزبية المغربية، من خلال ندوة فكرية نظمها حزب الأصالة والمعاصرة خصصت بالكامل لسؤال الأخلاق في الممارسة السياسية.

فالندوة لم تُقدَّم باعتبارها محطة تنظيمية عابرة، بل كمساحة لإعادة طرح أسئلة عميقة حول معنى العمل السياسي وحدود المسؤولية، في سياق وطني يربط بين الإصلاح المؤسسي واستعادة الثقة الشعبية.

قيادات الحزب شددت، خلال مداخلاتها، على أن تخليق الحياة العامة ليس شعارًا ظرفيًا، بل خيار استراتيجي يرتبط بمستقبل التجربة الديمقراطية. وجرى التأكيد على أن إعادة الاعتبار للعمل السياسي تمر عبر ممارسة قريبة من المواطنين، قائمة على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع استحضار المرجعية الفكرية والتنظيمية التي تبناها الحزب منذ مؤتمراته الأخيرة، إذ وفي هذا الإطار، قُدّم “ميثاق الأخلاقيات” كآلية داخلية لضبط السلوك السياسي ومحاصرة تضارب المصالح، انسجامًا مع روح دستور 2011 والتوجيهات الملكية المؤطرة لمسار الإصلاح المؤسساتي.

كما أن النقاش لم يتوقف عند البعد القيمي فقط، بل امتد إلى الجانب المالي المرتبط بتدبير الدعم العمومي للأحزاب، حيث توقف متدخلون عند المعطيات التي كشفتها تقارير رقابية رسمية حول اختلالات محاسباتية تمس صرف المال العام، معتبرين أن أي مساس بشفافية التدبير المالي ينعكس مباشرة على صورة العمل الحزبي ويغذي فجوة الثقة مع المواطن، لذلك جرى التشديد على أن تخليق السياسة لا ينفصل عن تخليق إدارة الموارد، لأن المال العمومي يحمل حمولة رمزية ومؤسساتية تتجاوز الأرقام إلى معنى الشرعية ذاتها.

كما استحضرت الندوة تجارب مقارنة، من بينها تجربة إصلاح مدونات السلوك داخل برلمانات أجنبية، للتأكيد على أن القواعد الأخلاقية لا يمكن أن تنجح بمعزل عن إصلاح مؤسساتي شامل، هذا الطرح وسّع النقاش من حدود الحزب إلى سؤال أوسع: كيف يمكن تحويل الأخلاقيات من نصوص مرجعية إلى ممارسة يومية تشارك فيها الأحزاب والإدارة والمجتمع المدني والإعلام والناخبون على حد سواء؟ خاصة في ظل الدعوات إلى إشراك فعلي للشباب والنساء كمدخل أساسي لتجديد النخب وترسيخ ثقافة سياسية مسؤولة.

هكذا بدا أن الندوة لم تكن فقط دفاعًا عن صورة حزب، بل محاولة لوضع التخليق في قلب النقاش العمومي، باعتباره شرطًا لشرعية أي تجربة ديمقراطية تبحث عن الاستمرارية.

وبين الخطاب المعلن والتحديات الواقعية، يظل السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الأحزاب المغربية تحويل أخلاقيات السياسة من تعهدات نظرية إلى قواعد سلوك تُقاس بنتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، أم أن الأمر لا يعدّ سوى زوبعة موسمية؟

التعليقات مغلقة.