الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
عاد اسم الأستاذ إدريس الإدريسي إلى واجهة النقاش العمومي، عقب إعلانه عن توصله باستدعاء من طرف الضابطة القضائية بمدينة خنيفرة، يدعوه إلى المثول أمام الشرطة القضائية ببني ملال، وذلك على خلفية شكاية جديدة رفعت ضده، لم تتضح بعد الجهة التي تقف وراءها ولا طبيعة الوقائع موضوع البحث.
وحسب ما أورده الأستاذ إدريس الإدريسي في تدوينة له، فإن الاستدعاء يهم الاستماع إليه بخصوص شكاية يعتبرها “كيدية وانتقامية”، تهدف – بحسب تعبيره – إلى إرهاقه نفسيا واستنزافه ماديا، أكثر مما تروم البحث الجدي في وقائع أو أحداث محددة. وأشار في السياق ذاته إلى أن مسار هذه الشكاية، من حيث اختيار أماكن الاستماع والتنقل بين مدن مختلفة، يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفياتها وأهدافها.
وأوضح الإدريسي أنه، إلى حدود لحظة كتابة تدوينته، لم يتم إشعاره بهوية الجهة التي تقدمت بالشكاية، غير أنه عبر عن قناعته بأن مضمونها لا يتضمن ما يمكن أن يدينه قانونيا، بقدر ما يسعى – حسب رأيه – إلى “كسر إرادته” وإسكات صوته الذي بات، كما يقول، “مزعجًا للبعض”.
ويضع هذا التطور الجديد القضية في سياق أوسع يتجاوز شخص المعني بالأمر، ليطرح مجددا إشكالية العلاقة بين حرية التعبير، خاصة حين تتخذ طابع النقد المؤسساتي أو كشف ما يعتبره البعض اختلالات، وبين اللجوء إلى الآليات القانونية والقضائية للرد أو المواجهة.
وفي هذا الإطار، اعتبر الأستاذ إدريس الإدريسي أن الجهة التي ينتقدها، والتي وصفها بـ”المؤسسة العلمية”، كان بإمكانها – بدل اللجوء إلى مسار الشكايات – أن تبادر إلى إحداث لجنة نزيهة ومستقلة للتحقيق في ما وصفه بـ”المظالم المتراكمة” داخلها. ويرى أن اعتماد المقاربة الزجرية يعكس، بحسب تعبيره، “سياسة الهروب إلى الأمام”، ويكرس منطق حماية المتورطين بدل فتح باب المساءلة والمحاسبة.
ويؤكد الإدريسي، في تصريحاته، أنه يتحدث عن “بؤرة فساد” – وفق توصيفه – تعاظمت فيها التجاوزات نتيجة ما يعتبره غيابا للعقاب وشعورا بالحصانة لدى بعض الجهات النافذة. كما عبر عن أسفه لما اعتبره انحيازا من أصحاب القرار داخل المؤسسة إلى “مناصرة الباطل”، بدل الوقوف إلى جانب الحق، مضيفا أن هذا النهج لن يؤدي، في نظره، إلا إلى تعميق الأزمة وفقدان الثقة.
ولم يخل خطاب الأستاذ إدريس الإدريسي من بعد ديني، إذ استشهد بآيات قرآنية للتعبير عن موقفه النفسي والمعنوي من هذه التطورات، معتبرا أن ما يتعرض له لا يتجاوز حدود “الأذى”، ومؤكدا توكله على الله واستمراره في ما يراه دفاعا عن الحق، مهما كانت الضغوط.
من جهة أخرى، يرى متابعون للشأن العام أن هذا الملف يعكس إشكالا بنيويا يتكرر في عدد من القضايا المشابهة، حيث يتحول الخلاف الفكري أو النقد المؤسساتي إلى نزاع قانوني، ما يثير تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين حماية السمعة والاعتبار من جهة، وضمان حرية الرأي والتعبير من جهة أخرى. ويؤكد هؤلاء أن الاحتكام إلى القضاء حق مشروع ومكفول للجميع، لكنه يظل، في نظرهم، سلاحا ذا حدين، قد يفهم أحيانا كوسيلة للضغط أو الردع، خاصة عندما يتكرر في حق نفس الشخص.
في المقابل، يشدد مختصون في القانون على أن الاستدعاء من طرف الضابطة القضائية لا يعني الإدانة، بل يدخل في إطار إجراءات البحث التمهيدي، التي تهدف إلى الاستماع إلى جميع الأطراف، وجمع المعطيات، قبل أن تقول العدالة كلمتها النهائية. كما يؤكدون أن مبدأ قرينة البراءة يظل حجر الزاوية في أي مسطرة قضائية، وأن الفصل في النزاعات يبقى من اختصاص القضاء وحده.
ويضيف هؤلاء أن اللجوء إلى المؤسسات القضائية يجب أن يُقابل، في الآن ذاته، بضمانات تحمي حرية التعبير المسؤولة، وتمنع توظيف الشكايات كوسيلة لتكميم الأفواه أو تصفية الحسابات، خاصة في القضايا ذات الطابع العام أو المرتبطة بتدبير الشأن المؤسساتي.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مجريات هذا الملف، يظل الرأي العام أمام روايتين: رواية صاحب الشكاية، التي لم تُكشف تفاصيلها بعد، ورواية الأستاذ إدريس الإدريسي، الذي يرى نفسه مستهدفا بسبب مواقفه وانتقاداته. وبين الروايتين، يبقى الفيصل هو القضاء، في إطار احترام القانون وضمان حقوق جميع الأطراف.
وتعيد هذه القضية، مرة أخرى، فتح النقاش حول الحاجة إلى آليات داخلية وشفافة لمعالجة الخلافات داخل المؤسسات، قبل أن تتطور إلى نزاعات قضائية، بما يضمن صون الكرامة، وحماية الحقوق، وتعزيز الثقة في المؤسسات، بعيدا عن منطق التصعيد والاصطفاف.
التعليقات مغلقة.