حين تتحول السياسة إلى مهنة… وتغيب الفكرة

الانتفاضة

في زمنٍ تتكاثر فيه الوجوه وتقلّ فيه المعاني، وتزدحم فيه اللوائح بالأسماء بينما يفرغ الفضاء العمومي من الزعامات، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من سيترشّح؟ بل: من يستحق أصلًا أن يدخل معترك السياسة؟
هذا السؤال لم يأتني من برجٍ عاجي ولا من صالونٍ مغلق، بل من مقهى عادي، حيث كان يجلس طبيب ومحامي وأساتذ جامعي ومقاول وموظف … كلهم يشتركون في الحيرة نفسها: ماذا نفعل بهذا المشهد السياسي الضبابي؟ وأي سياسة نريدها لهذا البلد :
كنتُ في المقهى قبل أيام ، وتعرّفت على مجموعة من الأطر: فيهم المحامي، والطبيب، والأستاذ الجامعي، والمقاول، والموظف. جميعهم أبدوا حيرتهم إزاء كيفية التعامل مع الانتخابات القادمة، وإزاء ضبابية المشهد السياسي والحزبي الحالي.
سألني أحدهم عن رأيي في ما يجب أن يكون عليه السياسي اليوم، وخاصة نخبة السياسيين في مواقع التمثيل الوطني او الجهوي او المحلي. فقلت، من دون تفكير طويل:
أظنّ أن من يتقدّم اليوم للعمل السياسي العام، ويُرشّح نفسه للوائح الانتخابات أو للمجالس الجماعية أو للحكومات، يجب أن تتوفّر فيه، على الأقل، ثلاث صفات أو شروط أساسية:
1. شرط النيّة: السياسة كتطوّع لا كتجارة
أن يأتي إلى العمل السياسي بنيّة التطوّع، لا بنيّة البيع والشراء، ولا بنية السمسرة في المال العام والصفقات العمومية والاتجار في الصفقات والمواقع.
التطوّع في السياسة هو، في جوهره، ضريبة المواطنة ومساهمة الفرد في ترقية المجتمع وتقدّمه، لا تذكرة عبور إلى الامتيازات والمغانم والمواقع المدرة للدخل .
2. شرط الكفاءة: مسار مهني ناجح قبل المسار السياسي
كل من يقدّم نفسه ممثّلًا للأمّة أو منفّذًا للسياسات العمومية في الحكومة، يجب أن يكون ناجحًا في مساره المهني أصلًا:
محاميًا جيدًا، أو طبيبًا ناجحًا، أو أستاذًا مبرزًا، أو مقاولًا ذكيًا، أو حرفيًا أمينًا، أو صحافيًا مهنيًا، أو موثّقًا بارعًا، أو موظفًا نموذجيًا، أو مثقّفًا له قيمة نقدية مضافة.
أي أن يأتي من خلفية مهنية ومسار ناجح، حتى يكون له فعلًا ما يساهم به في الشأن العام، لا أن يجعل من السياسة مهنته الوحيدة ومصدر رزقه الأول والأخير.
3. شرط الفكرة: سياسي صاحب مشروع لا مجرّد تقنوقراطي
أن يكون له توجّه فكري أو سياسي أو إيديولوجي أو ثقافي واضح:
يساريًا، أو يمينيًا، أو محافظًا، أو تقدّميًا، أو ليبراليًا او اشتراكيا لن ان يكون مثل الماء لا طعم ولا لون ولا رائحة .
المهم أن يكون سياسيًا صاحب فكرة ومشروع ورؤية في إدارة الشأن العام، لا مجرّد تقنوقراطي بلا بوصلة، ينتقل من “ورش” إلى “ورش”، بحسب اتجاه الريح.
ولا يمكن، في هذا السياق، ألّا نلاحظ هذا التناقض الصارخ:
كيف لرأسمالي قادم من عالم البزنس مثلا كاخنوش أن يتحوّل فجأة إلى مبشّر بـ“الدولة الاجتماعية”، في حين أن هذا المفهوم، تاريخيًا وفكريًا، لا يقوم على المنطق الرأسمالي والنيوليبرالي المرتكز على اقتصاد السوق والمبادرة الحرة والاستحقاق الفردي، بل على تدخل الدولة وإعادة التوزيع ومنطق التضامن لا منطق الإحسان الدولتي؟
في النهاية، السؤال ليس فقط: من يحكم؟
بل الأهم: بأي عقلية، وبأي سياسة ، وبأي فكرة عن الدولة والمجتمع والمستقبل..
افترقت مع هذه الرفقة الطيبة ونحن نفكر في جفاف ضرع الزعامة في البلاد وظاهرة خلط الأوراق ومشهد الضبابية السياسية الذي قادتنا اليه اختيارات وسياسات ومخاوف من الاختيار الديمقراطي وللحديث بقية ….

التعليقات مغلقة.