كان المغرب…الإيجابيات والسلبيات

الانتفاضة >> علي انوزلا

انتهت دورة كأس أفريقيا للأمم التي نظمها المغرب، دورة لها وما عليها. وما لها كثير يُحسب للمغرب، البلد المنظّم، الذي أبان عن قدرة عالية في التجهيز والتنظيم، وأظهر مستوى متقدماً من الاحترافية في جميع مرافق البطولة، بدءاً من الملاعب الستة المستضيفة للمباريات، مروراً بالبنى التحتية الرياضية والفندقية والطرقية، وصولاً إلى الجمهور الذي لم تخفت حماسته شهراً كاملاً من المنافسات. ولم تقتصر هذه الإيجابيات على الجانب التنظيمي، بل امتدت إلى المستوى الفني للبطولة، حيث برزت كرة أفريقية متطوّرة على مستويات اللاعبين والمدرّبين والاستراتيجيات التكتيكية، ما يثبت أن كرة القدم القارّية لم تعد تقل في الجودة عن دوريات غربية وعالمية كثيرة، وهو ما يمنح القارّة سطوة فنية إضافية على الساحة العالمية.

رغم هذه الصورة الوردية، ظهرت أيضاً صور سوداوية، أقلها سوءاً ما حدث مباشرة في أثناء المباراة النهائية، حين تصرّف مدرب فريق السنغال بروح غير رياضية، وطلب من لاعبيه مغادرة الملعب احتجاجاً على ضربة جزاء لصالح الفريق المغربي. كان بالإمكان معالجة الأمر بهدوء عبر الحوار مع الحكم أو اللجوء إلى المحاكم الرياضية للطعن في القرار بطريقة قانونية، بعيداً عن الابتزاز العلني الذي كاد أن يحوّل نهائي البطولة إلى فضيحة، وربما إلى كارثة درامية على مستوى سمعة الكرة الإفريقية. وفي هذا السياق، أثارت طريقة تنفيذ نجم المنتخب المغربي إبراهيم دياز ضربة الجزاء، التي جاءت وكأنها محاولة لتفادي إثارة الفريق الخصم وحمهوره، أكثر من سؤال عما إذا كان تصرف اللاعب بغير قصد أم بقصد لإنقاذ المباراة والبطولة من كارثة أكبر، ما حافظ على صورة الكرة الأفريقية أمام العالم، وأسدل الستار على واحدة من أنجح بطولات القارة السمراء مجنّبا نهايتها من الأسوأ الذي كان متوقعا لو سجل الهدف الذي كان محققا لو أنه أراد وضعه في شباك الخصم.

ومن هنا، يصبح واضحاً أن الحزن الذي شعر به كثيرون من المغاربة بعد خسارة فريقهم في النهائي ليس مجرد شعور بالندم على ضياع كأس طال انتظارها قرابة نصف قرن، بل إنه شعورٌ مضاعف، لأن هذه الخسارة ربما جنّبت البلاد والكرة الأفريقية أزمة أكبر، خصوصاً بعد محاولات ابتزاز مدرّب السنغال وجماهيره التي حاولت اقتحام الملعب بالعنف والشغب. وفي هذا السياق، كان من الممكن أن يتحوّل الفوز إلى قضية خلافية مليئة بالانتقادات والتجنّي على المغرب ولاعبيه، رغم أن فريقه يُصنّف بين أفضل الفرق الأفريقية والعربية، ويعد من بين أفضل عشرة فرق على المستوى العالمي وفق جديد تصنيفات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). هكذا، فقد المغرب الكأس، لكنه ربح سمعته ومصداقيّته وصورته الدولية، بلداً مضيافاً ومتفتحاً، وجمهوراً يملك روحاً رياضية عالية وحماسة رياضية قل نظيرها.

الخسارة ربما جنّبت البلاد والكرة الأفريقية أزمة أكبر، خصوصاً بعد محاولات ابتزاز مدرّب السنغال وجماهيره التي حاولت اقتحام الملعب بالعنف والشغب

أمّا ما على هذه البطولة، فهو كثير، وجاء في الغالب من سلوكيات سلبية لمواطني دول عربية، أبرزها مصر، حيث صدرت تصريحات استفزازية من مدرّب منتخبها، أثارت حفيظة الجمهور المغربي، ما كشف عن فشل هذا الرجل في إدارة الأجواء حينما حاول تحويل البطولة من مناسبة رياضية إلى مناسبة استفزازية، ولو لفترة محدودة، للتغطية على فشله في الميدان. لكن السحر في هذه الحالة انقلب على الساحر عندما تولّى الرد عليه مواطنون وإعلاميون ومثقفون من بني جلدته وفي بلده مصر ذكّروه بسوابقه الاستفزازية، وتجاوزاته الاستعراضية وسجل فشله الكفيل بإنهاء مسيرته مع “فراعنة” مصر.


ولكن، أكثر ما أثار القلق كان تصاعد التوتر بين جماهير الجزائر والمغرب، وهو أمر كان متوقّعاً بسبب حالة التوتر السياسي المستمر بين البلدين، وعدم وجود أي قنوات تواصل، إضافة إلى غلق كل أنواع الحدود بينهما، الأرضية والبحرية والجوية. مع ذلك، كان من المنتظر أن تتحوّل هذه البطولة إلى فرصة للتقريب بين الشعبين، كما جرت العادة أن تفعل كرة القدم، بوصفها أداة لصناعة الفرح، وليس لإذكاء الخصومات وتأجيج النعرات. للأسف، حدث العكس تماماً، حيث عملت بعض وسائل الإعلام وبعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في كلا البلدين على نفخ رماد الشوفينية الوطنية الضيقة، وإشعال حرب إعلامية مفتوحة كشفت عن جوانب سلبية في الإعلام، وفي نفوس بعض الإعلاميين والمثقفين والمؤثّرين الذين تحوّلوا إلى دعاة للقطيعة وموقظي النعرات ومثيري الصراعات.

التعليقات مغلقة.