الانتفاضة // البداوي إدريسي
للصحافة دور حقيقي و فاعل في ترسيخ و تشكيل الرصيد المعرفي و التوعوي في المجتمع، فالصحافة لها تأثير مهم في توجيه بوصلة الرأي العام نحو الأفضل، هذا إذا كان ممتهنون على مستوى شرف المهنة ممن يتمتعون بالنزاهة والمصداقية و المهنية، يعيشون ٱمال و ٱلام و هموم مجتمعاتهم و يعرضونها بكل موضوعية وصدق و أمانة يبتغون بذلك إيجاد العلاج و الحلول المناسبة لها.
فالكلمة أمانة، و أمانة الكلمة عظيمة لا يحملها و لا يقدر عليها إلا من قدرها حق قدرها و نزه نفسه عن الدنيا و ارتفع بها عن الأهواء و سفاسف الأمور و حلق بها نحو فضاء الصدق و الصفاء، لأنه يحترم ذاته و يحترم مهنته أولا، و يجب على الصحافي إحترام عقول الناس التي يضعها في سلم أولوياته معتبرا نفسه جسرا للوصول بهم إلى بوابات الحقيقة و المعرفة و المعلومة الصادقة التي يحتاجونها في كل مجالات حياتهم بعيدا عن التزييف و التطبيل و النفاق و الإفتراء وطمس الحقيقة عن سبق الترصد و الإصرار، و بعيدا عن المصلحة الذاتية و التملق الصحافي .
و لكن و للأسف، فإن المطلع اليوم على الساحة الصحافية بكافة وسائلها المرئية و المسموعة و المقروءة و الصحافة الرقمية المنتشرة على نطاق واسع، تجد الكم الهائل من المعلومات و المحتويات التي انزلقت بمواضيعها الهابطة إلى دون مستوى الأخلاق، مستهترة بعقلية مشاهديها أو قرائها أو سامعيها و بمشاعرهم و بالدوق الرفيع، ضاربة عرض الحائط بكل القيم و الأعراف و الأخلاق الفاضلة.
إنها صحافة مبتذلة، مستفزة، متسلقة مثل شجرة اللبلاب أو الأعشاب الطفيلية، تعتمد على الإشاعات و المحتويات التافهة و الأخبار المحبوكة و المصنوعة صناعة و مطبوخة في مطابخ الكذب و الدجل، أقل ما يقال عنها أنها صحافة استرزاق بل صحافة تضليل مستهترة بعقول الناس .
أبى المسؤولون عليها متبنون سلوكا لا أخلاقي يتجاهل المبادئ و الواجبات الإنسانية، و فقدانهم للضمير و الوازع الأخلاقي، إلا أن يعتاشوا على كسب مادي رخيص على ماينشرونه من فساد و رذيلة و كذب و دجل، و الأخبار التي لا أساس لها من الصحة التي يفرقون بها الناس، يخترقون وعيهم حتى المفاصل بقايا بعيدة عن واقعهم و لا تهمهم و لا تحاكي مشاكلهم و همومهم، بل يجعلون من أخبار الفنانين و الفنانات و فضائحهم، مواد دسمة يخدرون بها عقول السذج منهم، إنها صحافة تهدم و لا تبني، تخرب و لا تعمر، تفرق و لا توحد، صحافة ملوثة بأخبار الفضائح الأخلاقية التي يتنزه الذوق الرفيع عن مشاهدتها أو قراءتها .
تلك التي تفتح أبواب الفتن على مصاريعها و تقدم ما يحرك الغرائز و يثير الشهوات، يسوق للرذيلة و يسعى لتطبيعها تدريجيا لتصبح عادية يتعايش معها المجتمع بلا استنكار، إنه مثل الجراد يأتي على الأخضر و اليابس يلتهم الأخلاق و لا يبقى على فضيلة، تتحدى مشاعر الناس و تخدش حياءهم و تضلل وعيهم و تزيف الحقائق و تضخم أحداثا و أصغر أحداثا أخرى حسب ما تقتضيه المصلحة .
كل ذلك بهدف كسب مادي رخيص و ما تخفي صدورهم أخطر و أعظم .
تلك هي صحافة الظل، روادها حالهم كحال حطاب الليل الذي يجمع الغث و السمين و الصالح و الطالح، و قد يلتقط الأفعى و هو لا يدري، و كيف لها أن تميز و ظلمة الليل تطمس بصره و ظلمة التضليل تغشى بصيرته ؟! .
إن صحافة كهاته تسعى لتحويل الصحافة برسالتها السامية من حفل ثقافي توعوي معرفي إلى مكسب تجاري و منبر للتضليل .
إن الصحافة الحقيقية النزيهة هي التي تحترم ذاتها قبل أن تحترم عقل و فكر متابعيها، هي التي تلامس نبض الناس و تعكس همومهم و قضاياهم و ما أكثرها خاصة في هذا الزمن الذي صبت الهموم و الإبتلاءات و الفتن على مجتمعنا صبا، و تسعى بكل ما تحتوي من مصداقية للتعرض لمشاكلهم و احتياجاتهم و تمدهم بالحلول العملية التي هم بأمس الحاجة إليها .
فالصحافة التي تربأ بنفسها أن تتجاهل أو تتعامى عن قضاياهم الحقيقية و تقدم لهم من سفاسف الأمور مايشوشهم و يشغلهم و يحلق بهم بعيدا عن الواقع المؤلم الذي يعايشونه، بل تربأ بنفسها أن تلطخ فكرهم بسموم الأفكار و لوثتها، و القصص الفاسدة و القضايا المخلة بالٱداب التي لا تحاكي هذا المجتمع بفطرته السليمة .
إنها الصحافة الراقية التي ترتبط بواقع الناس و تعيش معهم هذا الواقع لحظة بلحظة، فهي جزء لا تنفصل عنهم .
هي التي تسعى لتطوير ذاتها في الإتجاه الذي يخدم مصالح المجتمع على المدى القريب و البعيد .
إنها الصحافة الحرة التي حملت مسؤولية أمانة الكلمة، فقدمت الكلمة الصادقة و ألبستها ثوب الموضوعية و زينتها بالمصداقية و عطرتها بالواقعية .
إنها صحافة تثبت القيم و ليست صحافة بيع الذمم، إنها صحافة الفكر الحصيف و ليست صحافة الرصيف، إنها صحافة الأخلاق و ليست صحافة الإسترزاق .
فإلى كل صحافي أبعث هذه الرسالة :
أنت تمارس دورا خطيرا و أخطر كما تتصور، فاتق الله فيما تقول و ما تكتب و ما تقدمه من مادة صحافية للناس و بأي وسيلة صحافية تعمل، و اعلم أنما تقدمه يصل لشرائح كثيرة من الناس، خاصة في هذا الزمن و مع كثرة مواقع التواصل الإجتماعي، فاتق الله في كل كلمة تقولها أو تكتبها و في كل معلومة أو مادة صحافية تعرضها من غير تحري الدقة و الصدق و الحق و صحة الخبر، لأن الكثير سيتأثر بها و الويل كل الويل لو كان التأثير مدمرا .
و رحم الله القائل :
وما من كاتب إلا سيفنى و يبقي الدهر ما كتبت يداه .
المدير المسؤول لجريدة الأحداث الأسبوعية ” م – ن” و الكاتب العام للإتحاد الوطني المستقل لقطاع الصحافة و الإعلاميين و معتمد لدى جريدة الإنتفاضة من أجل الحداثة .
التعليقات مغلقة.