ناصر وبن كيران .. ماذا جرى؟

الانتفاضة // يونس مسكين

قرأت بعض الكتابات خلال اليومين الماضيين بشأن اللقاء الذي جمع عبد الاله ابن كيران بوالدي ناصر الزفزافي يوم 5 يونيو 2017، والذي شاءت الصدف أن أحضر لحظة وقوعه في بيت ابن كيران.

وللأمانة والتاريخ هذه شهادتي المتعلقة بتدقيق بعض الجوانب التي شهدتها حضوريا:

أكثر ما أثار انتباهي في الروايات المتداولة، هو أمر التوقيت، حيث يتم الحديث عن فترة ما بعد العصر واقتراب اذان المغرب من ذلك اليوم الرمضاني، والحقيقة ان اللقاء كان خلال الفترة الصباحية وقبل الزوال، ودليلي على ذلك هو التالي:

الصدفة التي قادتني إلى حضور ذلك اللقاء هو انني كنت وعلى مدى بضعة أيام أكتب مادة خبرية شديدة الحساسية ودون علم أي من أطرافها ولا إدارة تحرير جريدة “أخبار اليوم”، وتتعلق بتفاصيل الزيارة التي قام بها المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة لبيت ابن كيران، وطلبه من هذا الأخير التدخل والمساهمة في حل أزمة حراك الريف، ليرفض رئيس الحكومة المعفى حديثا ويرد طلب ضيفه.

وهذ الموضوع ايضا كان محل تخيلات وتخرصات تربط بين طلب الوساطة هذا وزيارة والدي الزفزاف رفقة زيان لبيت ابن كيران، بينما كنت أنا شخصيا من كتب خبر زيارة الهمة لبيت ابن كيران وطلب التدخل والرفض، وكل القصة، قبل ان تحدث زيارة زيان ووالدي الزفزافي لبيت ابن كيران.

كانت التفاصيل قد وقعت بين يداي بطريقة  تقترب من المصادفة واذا اطال الله العمر وكتبت مذكرات سوف أحكي تفاصيلها.

كنت أمسك بتلك المعطيات كمن يقبض على الجمر، لا أنا أستطيع كتمها ولا هي مما يسهل على المرء البوح به دون تبعات ومخاطر، وهو ما سيتأكد بعد النشر من خلال البلاغ الذي أصدره الهمة حينها وهاجم فيه ابن كيران…

المهم أنني صباح ذلك اليوم كنت قد أكملت كتابة المادة الخبرية وصياغة عنوانها وباتت جاهزة بالكامل، وإدارة تحرير الجريدة لا تعلم بعد، لانني في مثل هذه المواد الحساسة كنت أتجنب اقتراحها قبل إتمام الاشتغال عليها تجنبا للضغط الذي سيشكله علي تعطش الجريدة للحصول على المادة وربما اضطراري لتسليمها قبل الاقتناع الكامل بجاهزيتها.

كما كانت لدي استراتيجية شخصية تقوم على الاحتفاظ بموضوع حصري وقوي إلى يوم الاثنين الذي يتسم ب”الجفاف” الإخباري بفعل يوم الاحد الذي يسبقه، وهو ما يجعل اهم مواد السبق والانفراد التي حققتها في مساري تنشر في ايام الثلاثاء، كما كان الحال مع فتوى “قتل المرتد”…

المهم، في ذلك الصباح، وأنا أتأمل المادة وأراجعها في شاشة حاسوبي، استشكل علي تفصيل صغير جدا ودقيق لم أجد معه بدا من كشف “أوراقي” وطلب التدقيق من احد المصادر الموثوقة في تلك القصة، وهو ابن كيران نفسه.

اتصلت به هاتفيا واخبرته انني في حاجة ماسة للقائه مباشرة وفورا، لان الموضوع لا يصلح للحديث الهاتفي، وأنني احتاج إلى اقل من دقيقة لتدقيق معلومة صغيرة على هامش الموضوع الذي لم يكن يعلم انني أشتغل عليه منذ بضعة أيام.

رد علي ابن كيران بأنه يهم بالخروج نحو ضريح محمد الخامس للترحم على روح الملك الحسن الثاني في ذكرى وفاته، وأن الأمر يتطلب منه ربع ساعة وبعدها يمكنني أن أجده في بيته.

تركت المادة الإخبارية في شاشة حاسوبي وخرجت فورا لان ربع ساعة التي سيذهب خلالها ابن كيران إلى الضريح ويعود منه على متن سيارته، هي المدة التي يتطلبها الذهاب مشيا على الأقدام من مكتب الجريدة في شارع علال بن عبد الله إلى بيت رئيس الحكومة السابق.

عند وصولي، فوجئت بسيارة المحامي وزعيم الحزب الليبرالي، محمد زيان، تتوقف عند باب بيت ابن كيران، ويترجل منها زيان مرتديا لباسه التقليدي الأبيض، ومعه والدا ناصر الزفزافي، المعتقل حديثا.

وقبل ان ندخل إلى البيت، وصل ابن كيران ودخلنا جميعا، فدعاني صاحب البيت إلى مرافقتهم إلى صالونه الشهير كي نتحدث وفقا لطلبي بعد مغادرة ضيوفه، فاعتذرت منه وطلبت منه السماح لي بالانتظار، لانني لا أحب التطفل ولا أحبذ الخلط بين مهنتي كصحافي وعلاقاتي الشخصية، ولأن زواره قد لا يرغبون في حضور صحافي معهم في اللقاء…

عندما ذكّرت ابن كيران يوم امس بذلك ونحن نتحدث عن الواقعة، قال لي: ليتك حضرت معنا!

انتظرت بضع دقائق، المدة كانت قصيرة بكل تأكيد لانني تحت ضغط البوكلاج وعلي اللحاق بالجريدة قبل إغلاق العدد وإرسال آخر الصفحات إلى المطبعة، زيادة على تحمل الاستفسارات المشروعة والمنطقية من إدارة التحرير بخصوص خبر-قنبلة من هذا النوع.

ثم سرعان ما غادر الزوار، فقمت بما يمليه الحس المهني هذه المرة، حيث انتهزت فرصة وجودنا جميعا داخل البيت، واستفسرت زيان ووالدي الزفزافي عن نتيجة اللقاء، فكانت اجوبة عامة ومقتضبة اثرت معها عدم ازعاج والدي معتقل يتألمان، وصعدت السلم بسرعة نحو “صالون” بنكيران لقضاء ما أتيت من اجله، وجدته واقفا في الباب حيث ودّع ضيوفه، طلبت منه الحديث بسرعة دون حاجة لنزع نعلي والدخول، سألته عما دار في اللقاء، فقال لي ما معناه انه حثهم على استعطاف الملك… ثم سألته مباشرة عن المعطى الدقيق الذي أتيت للتحقق منه، وهو معطى هامشي وبعيد عن مضمون مادتي الاخبارية، ثم “تدردبت مع الدروج” راكضا نحو المكتب للضغط على زر إرسال الإيميل.

سبق لي ان كتبت هنا في هذا الحساب هذه القصة، وكان الشاهد عندي وقتها هو ما حصل في الأخير، حيث فوجئت بمجرد خروجي من بيت ابن كيران وإلقائي نظرة على هاتفي، بخبر ملوث بالتعليق غير المهني، وقد نشره احد المواقع إياها، والذي لم يكن له اي صحافي او مراسل في محيط المكان، يستنكر استقبال ابن كيران لوالدي الزفزافي ويهاجم الخطوة، وهو ما كان يعبر وقتها عن اختيار جهات أصرت على تأزيم الوضع ودفعه نحو الحسم الأمني.

وإذا كنت لا أملك أن أزعم أية معرفة دقيقة وكاملة بما جرى خلال اللقاء، فإن معطى التوقيت أثارني بشدة، لانه مؤشر عن مدى دقة المعطيات المنشورة.

كل من احترفوا العمل الصحافي، الورقي واليومي، في تلك الفترة، يعرف ان موعد “البوكلاج” كان يتراوح بين الثانية عشرة زوالا والرابعة عصرا، حسب توقيت طبع كل جريدة. وكان المفروض إرسال جميع المواد قبل الساعة الواحد زوالا، مع امكانية التمديد الاستثنائي عند الحاجة. اما ونحن في شهر رمضان، فإن هذا الموعد في اخبار اليوم كان ينزل إلى الساعة 11 صباحا، وكنا نعتبر محظوظين مقارنة بباقي الصحف التي كان بعضها يغلق العدد في الليلة السابقة او قبل العاشرة صباحا، كي تلحق المطبعة والتوزيع قبل اذان المغرب.

ولأننا كنا آخر الصحف التي تطبع، فقد كان إرسال آخر صفحات الجريدة إلى المطبعة يمكن أن يتأخر إلى موعد أقصاه الواحدة زوالا، أي ان إرسال مادتي الخبرية لا يمكن ان يتجاوز الساعة 12 كي تتم مراجعتها لغويا وتحريريا وتوضيبها في الصفحة الداخلية ثم في الصفحة الاولى…

لهذا أظن ان هناك الكثير من الخيال في ما يتداول عن هذا اللقاء، وبه وجب الاعلام..

والسلام.

التعليقات مغلقة.