الانتفاضة
لم تكن آسفي يومًا مجرد مدينة ساحلية هادئة، بل شكلت عبر التاريخ أحد أعمدة الذاكرة الحرفية المغربية، وموطنًا عريقًا لصناعة الخزف التي منحتها هوية متفردة داخل المشهد الثقافي الوطني. غير أن هذه المدينة، بما تحمله من رمزية تاريخية وإنسانية، وجدت نفسها اليوم في مواجهة مأساة إنسانية قاسية، بعدما ضربتها فيضانات مفاجئة خلّفت خسائر جسيمة وأودت بأرواح بريئة، في مشهد مؤلم لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتجاوز حدود المدينة.
إن ما شهدته آسفي ليس حدثًا معزولًا، بل يندرج ضمن سلسلة من الظواهر المناخية القصوى التي باتت تضرب مختلف مناطق المغرب، من فيضانات مفاجئة إلى موجات جفاف وحرائق وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة. وهي مؤشرات واضحة على أن التغيرات المناخية لم تعد خطرًا مؤجلًا، بل واقعًا يوميًا يختبر هشاشة المدن والبنيات التحتية، ويكشف عمق الاختلالات في التخطيط الحضري والعدالة المجالية.
في آسفي، امتزجت مياه الأمطار الغزيرة بسنوات من الإهمال وضعف الاستثمار في شبكات الصرف والتجهيزات الوقائية، لتتحول الأمطار من نعمة منتظرة إلى كارثة مدمّرة. وهو ما يطرح، بإلحاح، سؤال الجاهزية المحلية والوطنية لمواجهة آثار التغير المناخي، ومدى إدماج البعد البيئي في السياسات العمومية الترابية.
لقد جعل المغرب من قضايا المناخ خيارًا استراتيجيًا على المستوى الدولي، وراكم تجربة معتبرة في الطاقات المتجددة والالتزامات البيئية، غير أن التحدي الحقيقي يظل في تنزيل هذه الرؤية على المستوى المحلي، داخل المدن المتوسطة والهشة، حيث تتقاطع المخاطر المناخية مع الفقر، والهشاشة الاجتماعية، وضعف البنية التحتية.
ومأساة آسفي اليوم ليست فقط فاجعة إنسانية تستوجب التضامن والمواساة، بل إنذارًا وطنيًا يستدعي مراجعة عميقة لسياسات التهيئة الحضرية، وإعادة التفكير في كيفية حماية المدن التاريخية من مخاطر التغير المناخي، دون التفريط في تراثها أو كرامة ساكنتها.
فمدينة الخزف، التي طالها التهميش رغم غناها الثقافي، لا تحتاج فقط إلى ترميم الذاكرة الحرفية، بل إلى مشروع تنموي مندمج يربط بين الثقافة، والبيئة، والحماية الاجتماعية، ويجعل من التكيف المناخي أولوية لا شعارًا عابرًا.
إن إنقاذ آسفي اليوم هو جزء من إنقاذ مدن مغربية أخرى تواجه المصير ذاته، في زمن لم تعد فيه الكوارث الطبيعية استثناءً، بل نتيجة مباشرة لاختلال التوازن البيئي وسوء التدبير. وآسفي، بتاريخها وأرواح أبنائها التي فقدتها في هذه الفاجعة، لا يليق بها الضياع، ولا أن تتحول إلى رقم جديد في سجل الخسائر المناخية.
إنها لحظة وطنية للتفكير الجماعي، عنوانها: كيف نحمي الإنسان، ونصون التراث، ونواجه التغيرات المناخية بعدالة ومسؤولية؟
التعليقات مغلقة.