الانتفاضة // سعيد حجي
حينما كنت أدرس التاريخ في الجامعة، كان في الواقع رحلة في دهاليز المعنى، محاولة يائسة لفهم الزمن من خلال أوراق مهترئة ووقائع متضاربة، وكأنني كنت أحاول أن ألمس الزمن بأصابع الذاكرة لا بأدوات العلم. كلما فتحت كتابا، واجهني سؤال داخلي لا يهدأ: ما الذي أفعله هنا؟ أأبحث عن الحقيقة بين غبار النصوص، أم أنني أُدرَّب على تكرار كذب مألوف بلغة أكاديمية ؟
كنت كلما حاولت أن أختزن معلومة، حدثا، اسما، تاريخا، يتردد في عقلي صوت أنيس منصور الذي وصف التاريخ يوما بأنه “كومة تراب وجدها احد العلماء في كهف”، وأن “في التاريخ، الكثير من الكذب الجميل”. لم تكن تلك العبارة اقتباسا عابرا، كانت فلسفة كاملة تهز ثوابتي، تخلخل يقيني، وتسحب من تحت أقدامي ثقة الطالب الباحث عن معنى في ركام الحقب…
كنت أحمل الكتاب، أفتح الصفحات، أتأمل الخطوط والتواريخ، ثم بعد ربع ساعة فقط أضعه جانبا، لا هروبا من الجهد، بل انسحابا من معركة عبثية، كنت أدرك منذ البدء أنها خاسرة. أخرج نايي وأبدأ العزف، بلا أي مخطط، بلا نهاية، كأنني أمارس مقاومة صامتة ضد سلطة التاريخ المكتوب…
كان ثمة صراع غير مرئي بين ذاكرتي الحادة القادرة على حفظ التفاصيل وبين عقلي الذي يهمس في كل لحظة أن الحقيقة ليست في ما يقال، بل في ما يُخفى، أن ما أدرسه ليس زمنا حيّا، بل بناء نصيا يخضع لقواعد السرد، للهيمنة، للإقصاء، للانتصارات المتخيلة والهزائم المتوارية…
لم يقنعني التاريخ يوما أنه حقيقة. بدا لي دائما كأنه منتج سردي، نص مفتوح على التأويل، مصاغ بلغة المنتصرين، مخلوط بالخرافة، محكوم بحتميات غامضة، وكأن المؤرخ لم يكن سوى كاتب درامي تنقصه الشفافية…
كنت أقول لنفسي إن الناس يزورون الحاضر، يخترعون لحظتهم، يلبسون الأقنعة في الزمن الحقيقي، فكيف يمكنني أن أثق بسردية عن ماض لا شهود له؟ أن أؤمن بحقيقة لم أرها، ولم يرها من نقلها، بل ورثها عن لسان آخر؟
هكذا بدأت مرحلة التراخي، لا من باب الكسل، انما من باب الوعي الحاد بعدمية الفائدة، بانعدام المعنى في محاولتي فهم حفنة تراب قديمة منسوبة إلى زمن “العهد الطباشيري” أو “الحجري”، كما لو أن هذه التسميات بذاتها تحمل عبء الزيف. كنت أراها طبقات متراكمة من الأسماء والسنوات المنسوجة بإرادة من يريد تشكيل وعي الإنسان، لا تحريره…
وبينما كنت أغرق في تلك الحيرة، اكتشفت أنني دون وعي صرت أعزف الناي بإتقان. كأن اللاشعور اختار أن يخلق انسجاما بديلا. كأن الموسيقى صارت علاجا لجراح الفكرة، ومتنفسا لألم السؤال. كنت أهرب من وهم التاريخ إلى صدق الصوت، من التواريخ المزيفة إلى لحن لا يكذب، لا يُؤرَّخ، ولا يُعَلَّق في متحف سردي…
أدركت لاحقا أنني لم أدرس التاريخ لأعرف، وانما لأشعر بالخسارة، لأفهم كم نعيش على ميراث محشو بالشك. كان الناي في يدي موقفا فكريا، رفضا جماليا، انسحابا رمزيا من مؤسسة الحقيقة المطلقة. كنت أمارس العزف كما يمارس الفيلسوف سكوت الصمت، حينما يعلم أن اللغة قد خانت……
غاستون باشلار أشار ذات يوم إلى أن “الخيال أكثر واقعية من الواقع حين يتجاوز العقل ذاته”. وفي لحظة عزف واحدة، شعرت أنني تجاوزت العقل — لا إنكارا له، بل تحررا منه.
كنت أبحث عن معنى للحقيقة، فوجدت في الموسيقى حقيقة لا تحتاج إلى برهان، وجدت في كل نغمة احتمال تفسير جديد، لا للزمن فقط، بل للذات التي تعاني من زيف السرديات الكبرى…
التاريخ كما يُدرس اليوم ليس سوى محاولة لإعادة إنتاج السلطة عبر النص، هو شكل مؤسسي للهيمنة الرمزية، حيث يُفرض على الذاكرة أن تنسى ما لا ينسجم مع الرسمي، وتستبقي ما يعزز الأسطورة…
وبدل أن أجد في الجامعة خزائن المعرفة، وجدت أبواب الشك تُفتح على مصراعيها، وجدتني أمارس “هدم اليقين” كما دعا نيتشه، وجدتني في صراع دائم مع مفاهيم مثل الحقيقة، الزمن، الهوية، والسرد، لا كمسلمات بل كمشاريع نقد لا تنتهي…
وبدل أن أخرج من مسلك التاريخ مؤرخا، خرجت ناسكا في حضرة الناي، عازفا على وتر الشك، موقنا أن الأصوات لا تكذب، وأن أحيانا، نغمة واحدة صادقة أكثر من ألف صفحة مزورة…
التعليقات مغلقة.