محمد أوجار..الرصاصة التي خرجت من بيت السلطة

الانتفاضة // عبد العزيز بن صالح

ما قاله محمد أوجار لم يكن زلة لسان ولا نوبة حماس عابرة. كان حدثاً سياسياً بكل المقاييس، لأن قائله ليس معارضاً يصرخ من الهامش، بل واحداً من “أبناء الدولة”.

رجل تشبّع بثقافتها، وتنقّل داخل مؤسساتها، واستفاد من سخائها، وشارك في صناعة واجهتها السياسية والدبلوماسية لسنوات طويلة.

لهذا السبب تحديداً اهتز المشهد عندما تحدث أوجار عن “الدولة العميقة” و“هيمنة الولاة والعمال”.

فحين يصرّح بهذه العبارات رجلٌ قضى عمره في مطبخ السلطة، تصبح الجملة أبعد من رأي شخصي، وأقرب إلى تسريب سياسي غير معلن.

بدت خرجة أوجار مرتبكة، حذرة، متوترة… لكنه رغم ذلك أطلق رصاصة.

رصاصة لا نعرف هل كانت موجهة بدقة أم خرجت خطأ، هل هي تحذير مبكر أم إنذار متأخر، هل هي تعبير عن قناعة أم تنفيذ لمهمة.

ومع ذلك، فإن قوة التصريح لا تأتي من لغته، بل من موقع صاحبه.
من هنا تتقاطع ثلاثة مسارات محتملة
1. أوجار يتكلم بصفته شاهداً من الداخل

بحكم تجاربه المتعددة داخل الدولة، قد يكون الرجل عبّر عن قناعة رسخت لديه مع الزمن:
أن السياسة في المغرب تُدار فعلياً عبر طبقة تنفيذية غير منتخبة، تُمسك بمفاتيح القرار الترابي والمالي والأمني، وأن دور الحكومات والبرلمان يبقى في حدود الالتقاط الإعلامي لا الفعل السياسي الحقيقي.
من عاش هذه التجربة من الداخل يدرك أن “جمهورية العمال والولاة” ليست تعبيراً مبالغاً فيه، بل توصيفاً واقعياً لبنية السلطة.
2. أو أنه مجرد حامل لرسالة أكبر
في تقاليد السلطة، حين يُراد تمرير تحذير أو جسّ نبض، يُختار شخص من “البيت”، لكنه خارج دائرة القرار المباشر.
قد يكون أوجار أدّى دور “السيف من خشب” الذي يلوّح به طرف داخل الدولة في وجه طرف آخر، في سياق توازنات دقيقة لا تظهر للعلن.
التوقيت، اللهجة، وطريقة قول الكلام… جميعها تُشبه بالون اختبار أكثر من اعتراف ذاتي.
3. أو أنه تمرد متأخر لرجل يشعر بأن زمنه انتهى
ربما أدرك أوجار أن دور السياسي التقليدي تآكل، وأن السلطة الجديدة تُفضل البيروقراطي التكنوقراطي على الوجه الحزبي.
فقرر أن يسجل موقفاً “للتاريخ”، يبرئ به ذمته، أو يعلن به أنه يرى ما يجري، حتى لو تأخر الكلام سنوات
ما الذي يهم فعلاً؟
المهم ليس سبب تصريح أوجار، بل أثره.
أن يقول رجل من قلب المنظومة إن السلطة الفعلية بيد الولاة والعمال… فهذا يشبه وضع مرآة أمام المشهد كله.
يشبه اعترافاً صريحاً بأن العملية السياسية فقدت معناها، وأن الانتخابات أضحت واجهة شكلية تدور خلفها آليات الحكم الحقيقية.
وهذا الاعتراف، سواء كان واعياً أو تم تمريره. عبره، يشير إلى شيء يتحرك في العمق:
ربما مراجعة داخلية، ربما صراع نفوذ، ربما استشعار بأن المركزية المفرطة بدأت تُضعف الجبهة السياسية بدل أن تقوي الدولة.

المؤكد أن كلام أوجار لم يكن عابراً.
والمؤكد أيضاً أن الرجل لن يكرر هذا الكلام بسهولة، لأن البيت الذي خرج منه التصريح لا يحب الأصوات التي تغادر النص.

لكن الحقيقة بقيت على الطاولة:
حتى أبناء السلطة بدؤوا يشعرون بثقل الدولة العميقة… أو بدأوا على الأقل يلمّحون إلى وجودها.
وفي بلد تبنى فيه السياسة عادة على الصمت، فإن مجرد ظهور شرخ صغير في الجدار يعني أن شيئاً ما يعاد ترتيبه في الداخل… وأن المستقبل قد يحمل إعادة رسم هادئة، لكنها عميقة، لخريطة السلطة.

التعليقات مغلقة.