المغرب في طوكيو: أمين التهراوي يعلن إستراتيجية تعميم التغطية الصحية وإصلاح النظام الصحي حتى 2030

الانتفاضة // إلهام أوكادير

من قلب العاصمة اليابانية طوكيو، هناك، حيث لم يكن حضور المغرب في المنتدى رفيع المستوى حول التغطية الصحية الشاملة مجرد مشاركة بروتوكولية، بل رسالة سياسية واجتماعية واضحة المعالم، تُقرُّ اليوم بأنّ الصحة لم تعد ملفًا قطاعيًا، بل خيارًا إستراتيجيًا ضمن المشروع المجتمعي للمملكة.

ففي مداخلة قوية ومفعمة بالمعطيات الدقيقة، أكد وزير الصحة والحماية الاجتماعية، “أمين التهراوي”، أن الرؤية المتبصرة لجلالة الملك “محمد السادس” جعلت من التغطية الصحية الشاملة حجر الزاوية في بناء الدولة الإجتماعية، مشددًا في الوقت ذاته، على أن المغرب يسير بثبات نحو إرساء نظام صحّي منصف ومستدام في أفق 2030.

وإذا كانت الأرقام تختصر الكثير من التحولات، فإن بلوغ نسبة تغطية تقارب 88 في المائة من السكان بالتأمين الإجباري عن المرض، يعكس حجم النقلة النوعية التي عرفها القطاع، خاصة بعد إدماج أكثر من 22 مليون من المؤمنين الجدد، من بينهم العمال المستقلون والفئات الاجتماعية الهشة، التي كانت تعيش سابقًا على هامش الحماية الصحية،(حسب تصريحاته).

غير أن الوزير حرص على التأكيد بأن الورش الملكي للحماية الاجتماعية لا يقتصر على جُزئية توسيع قاعدة المستفيدين، بل إنه يتجاوز ذلك إلى إعادة بناءٍ عميقة للنظام الصحي الوطني، قوامها تغيير طريقة تقديم العلاج، تجويد الخدمات، وإعادة الاعتبار للعدالة المجالية بمختلف المناطق في ما يخصّ الولوج إلى الرعاية الصحية.

وفي هذا السياق، إستعرض “التهراوي” مرتكزات الإصلاح التي اعتمدها المغرب، والتي تقوم على أربع دعائم أساسية، أولها تعزيز الحكامة، وذلك عبر إحداث مؤسسات جديدة توضّح المسؤوليات وتُقرّب القرار العمومي من انتظارات المواطن. أما الثانية، فترتكز على تحديث البنيات الصحية، من مستشفيات جامعية وجهوية، وإعادة تأهيل المراكز الصحية الأولية، بما يضمن تقليص الفوارق بين المدن والمناطق.

أما الركيزة الثالثة، والتي وصفها الوزير بالمحورية، فتخصّ العنصر البشري، حيث يجري العمل على الرفع من جودة التكوين الطبي، ومراجعة البرامج الدراسية، وتحسين ظروف اشتغال مهنيي الصحة، بهدف استقطاب الكفاءات وتحفيزها على العمل والتفاني. بينما تقوم الدعامة الرابعة على التحوّل الرقمي، وهي خطوة هامة، يتمّ الآن الإشتغال عليها عن طريق إرساء نظام معلوماتي متكامل، ووضع ملف طبي مشترك يسمح بتتبع أدق لمسار علاج المرضى، والتمكن من تدبير أفضل للمنظومة.

وفي ما يتعلق بجانب التمويل، فقد كشف “التهراوي” أن النفقات الصحية الوطنية، قد شهدت نموا ملحوظا في السنوات الأخيرة، ما ساهم في تحسين جودة الخدمات وتقليص العبء المالي المباشر الذي كان يثقل كاهل الأسر، حيث انتقلت ميزانية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية من مستويات محدودة سنة 2010، إلى أكثر من 42,4 مليار درهم المرتقبة في أفق 2026، ما يمثل حوالي 8,8 في المائة من الميزانية العامة للدولة.

غير أن التحدي لا يكمن فقط في ضخ الموارد، بل في حسن تدبيرها، وهو ما دفع المسؤول الحكومي إلى إبراز ثلاث أولويات أساسية تكمن في: تأمين توازن أنظمة التأمين الإجباري عن المرض، تعزيز الدعم العمومي للفئات الهشة، ثم عقلنة الكلفة عبر الاستثمار في الوقاية، وتقوية دور الطب الأولي والخدمات الصحية القريبة من المواطنين.

أما على المستوى الدولي، فقد جدد الوزير تأكيد التزام المغرب بدوره الريادي داخل القارة الإفريقية، خاصة في إطار التعاون جنوب–جنوب، وذلك من خلال نقل الخبرات وتقاسم التجارب في مجالات تمويل الصحة وتدبير الموارد البشرية، بما يساهم في بناء أنظمة صحية إفريقية أكثر صلابة وعدالة من ذي قبل.

وتعكس مشاركة المغرب في هذا المنتدى، الذي تشرف عليه الحكومة اليابانية بشراكة مع منظمة الصحة العالمية ومجموعة البنك الدولي، انخراطه الفعلي في المبادرة الدولية الخاصة بالمواثيق الوطنية للصحة، حيث يعد من بين 21 دولة، التزمت باعتماد مؤشرات دقيقة لتتبع التقدم المحرز نحو تعميم التغطية الصحية الشاملة.

وفي ختام مداخلته، جدد “أمين التهراوي” التزام المملكة بتحويل ميثاقها الوطني للصحة إلى إجراءات ملموسة، تشمل إزالة الحواجز المالية أمام المواطنين، وتحديث البنيات التحتية، والاستثمار في الموارد البشرية، وفتح المجال أمام الابتكار والاستثمار.

بهذا الحضور القوي في طوكيو، يؤكد المغرب مرة أخرى أن إصلاح الصحة ليس مجرد ورش إداري، بل مشروع وطني متكامل، يعكس إرادة سياسية واضحة، لبناء مستقبل أكثر عدلًا وكرامة لكل المواطنين.

التعليقات مغلقة.