الانتفاضة // عبد الرحمان القاسمي
يا للعجب من زمنٍ صارت فيه الذاكرة قصيرة إلى حد أنّ البعض يطل علينا بمنبر الوعاظ، يوزع صكوك الصحافة على هذا ويمنع البطاقة المهنية عن ذاك ويحدثك عن الضوابط و الأخلاق و التكوين الأكاديمي وكأن الصحافة وُجدت يوم وجد في المعهد.
خرجت علينا إحدى صحفيات جريدة ورقية في فيديو تتساءل ببراءة مصطنعة عن سبب التضامن الشعبي الواسع مع حميد المهداوي من محامون، حقوقيون، صحفيون، مواطنون… وكأن هذا الالتفاف الشعبي نفسه أصبح جريمة تحتاج إلى إذن مسبق.
تعلمنا الصحفية معنى المهنة وتذكرنا أن القانون يؤطر وأن الصحافة أخلاق وأن اليوتيوب ليس صحافة ولا تنسى أن تُشهر شهادتها كمن يشهر صكّ غفران يمنحها وحدها حق النطق باسم المهنة.
لكن المفارقة المضحكة المبكية أن الأستاذة الواعظة وهي التي تحاضر اليوم في الأخلاق لم تجد ولو ثانية واحدة للتعليق على فيديو أعضاء لجنة الأخلاقيات أنفسهم وهم يوزعون الشتائم كما توزّع نشرات الأخبار… هناك صمت مطبق…لا بيان، لا رفض، لا انتقاد… لا شيء.
أما قمة الرقي ؟..فهي عندما تنسى المعني بالأمر نفسها وتنسى دور الأستاذة في الأخلاق، وتنسى صرامة الضوابط ، وتعود بنا الذاكرة إلى يوم ردت فيه على منتقدي زيارتها لإسرائيل بطريقة أخلاقية جداً حسب تعريفها لمفهوم الاخلاق طبعاً بصورة إصبع مرفوع معلقة عليها بعبارة خالدة:
“هذا آخر رد لدي على التعليقات والمقالات والافتتاحيات وكل الخوار الفكري والصحافي والفيسبوكي”.
ومع ذلك… تريد أن تُدرس للمهداوي والمغاربة دروسا في احترام المهنة؟
في النهاية ليست المشكلة في المهداوي ولا في بطاقة الصحافة بل في تلك الازدواجية التي تجعل البعض يوزّع الأخلاق بالمجان بينما يعجز عن ممارسة أبسطها.
فقبل أن نحاضر في الشرف المهني علينا أوّلاً أن نواجه مرآتنا… لأن المهنة لا تنهض بتقشير الآخرين، بل باحترام الذات.
التعليقات مغلقة.