الانتفاضة // أيوب الرضواني
هنالك فرق كبير وشاسع بين أن تعيش وضعية وأن تتفرج عليها من بعيد. أحيانا -بل غالبا- تنجح تفاصيل أيامنا المملة في أن تُنسيتنا حقيقة واقعنا المعيش، أو على الأقل تنجح تلك التفاصيل الصغيرة التافهة في إخفاء الجزء الأكبر والأهم من الصورة. في المحصلة، نغوص في تدمرنا من واقع بالكاد نشعر أو نعرف مُسبباته.
إن ما حصل مع حميد المهداوي في غرفة “التَّغياز” أكبر بكثير من العناصر “مُنتهية الصلاحية قانونيا” التي كانت تناقش مستقبل الصحافي المسكين مهنيا وماديا. بل وتفصل حتى في ما سيصدر في حقه من أحكام قضائية.
ما حدث أكبر من المهداوي شخصا وصفة، من مستقبله بل وحتى من حياته وحياة أسرته على مالهما من قيمة كبيرة. الحادث انعكاس لما يحصل يوميا، وعلى مدار الساعة، مع 37 مليونا من الرعية!!!
قاعة “إش إش” أظهرت لنا بجلاء وجهنا في المرآة.
ما حدث للمهداوي يحدث في قاعات مغلقة تحول الظالم مظلوما على مدار الساعة. تُخرج المجرمين كما تُسل الإبرة من العجين، وتورط الأبرياء فقط لانعدام خالتهم في العرس سلطة أو مالا، أو لأنهم أقلية ترفض الاستعباد موسومة بالتمرد!
ما وقع في قاعة لجنة “السَّخافة” يذكرنا بقرارات مصيرية يتخذها “بضعة عناصر” تغير حياة الملايين، تحدد مصائرهم ماضيا وحاضرا ومستقبلا. تارة يقبلون بالاستفتاء وتارة يرفضونه. مرة يستعجلونه وكرَّة يقدمون مقترحا بديلا.
ساعة يغادرون منظمة قارية، وفي لحظة يعاودون الدخول إليها. ليتم استدعاء الأحزاب السياسية أخيرا للتزكية، والتشاور بعد أن يُقضى الأمر الذي لم يُستفت فيه أحد!
قاعة “إش إش” تذكير بغرف زجاجية مغلقة داخل ناطحات سحاب تُقرر فيها “برامج تنمية” لزاكورة وأزيلال والحوز وطاطا. عندما يُحدد من يركب سيارة بنصف مليار مصير من لا يزال يعتمد الحمار وسيلة نقل!!
قاعة “المُبرهشين” تصغير لاجتماعات تُقرر فيها الأوراش والمشاريع الكبرى ليس خدمة للمواطنين، بل رغبة في تسمين حسابات قلة قليلة تعد على رؤوس الأصابع. يعلم “المُواتنون” فجأة بلائحة المشاريع من نشرة الثامنة مساء، ويخرج “المُحللون مُسبقي الدفع” للإشادة بالنظرة الثاقبة والخير والوفير المُرتقب!!
من داخل “قاعات التشيطين” نفسها يُعاد تشكيل ما تبقى من مشهد سياسي، يُفرغ كل انتصار من فحواه، يخسر المنتصر ويصعد المهزوم، ويكفر من تبقى من المؤمنين بالسياسة والسياسيين.
من داخل الغرف نفسها، وبعيدا عن العيون، تُعاد صياغة أولويات الناس، فيُغدَق على الكرة ويُقتِّر على التعليم، يُمنع عن الصحة ويُجزى للملاعب واللاعبين. تُعتبر كرة منفوخة في الهواء استثمار العمر، وتُصنف الصحة والتعليم في لائحة الفاشلين. ويا ويل من قال أو هتف: الله إن هذا منكر!!
“غرف التغياز” يا سادة تصغير للبلاد، والمهداوي رمز المواطن المتشبث بآخر قشة وسط أمواج هادرة من العشوائية والتسيب وسيادة “التغوال”. مهداوي، نخشى أننا لم نعد نملك له -ولأنفسنا- سوى المشاهدة والدعاء.
للقصة بقية…
التعليقات مغلقة.