لما اندثرت ثقة المواطن المغربي في السياسة والسياسيين؟

وهل ينجح السياسي في استعادتها يوماً ؟

الانتفاضة // إلهام أوكادير

لم يعد موضوع ثقة المواطن المغربي في نجاعة السياسة المحلية سؤالاً عابراً أو مزاجياً، بل بات يشكّل محوراً بنيوياً في رسم وفهم المستقبل السياسي والاجتماعي للمغرب، فالمشهد السياسي لم يعد يعبّر فقط عن تنافس حزبي أو اختيار إنتخابي تم التعبير عنه، بل أضحى مرآة عاكسة لعلاقة المجتمع بالدولة، وحدود قدرة مؤسساتها الفعلية على التجدد، فضلا عن مدى فعاليتها في صناعة القرار.

إنّ ما يميّز هذه المرحلة عن غيرها، هو أن تراجع هذه الثقة لم يعد مجرّد حالة نفسية عابرة أو رد فعل مؤقت، بل أصبح واقعا معقدا يطرحه نفسه على الطاولة، يلامس ويسائل القيم والسلوك السياسي، ومدى حقيقة وفاعلية مشاركتها الديمقراطية، فضلا عن طبيعة تمثيليتها المزعومة، التي لم ترقى يوما إلى مطامح من اختاروهم كممثلين، وهو ما لا يخفى عن العامة.

إنه وضع متأزّم يتجاوز الأشخاص والهيئات، ويطرح سؤالاً عميقا مفاده: هل نحن أمام أزمة نظام التمثيلية السياسية التقليدية المُتجدّر المُتوالي؟ أم أمام إعادة تشكيل لهذه العلاقة الحساسة تحت تأثير تحولات اقتصادية وتكنولوجية وثقافية غير مسبوقة، جعلت الأمر ضبابيا ومعقدا إلى هذا الحدّ؟

سياسة تتحول… ومجتمع يتغير

تاريخياً، كانت السياسة في المغرب تتمحور حول المؤسسات الرسمية والأحزاب والحركات الإجتماعية، أما اليوم، فقد حلّت محلها فضاءات بديلة: الشبكات الرقمية، المبادرات المحلية، حركات المطالبة بالشفافية والعدالة الاجتماعية، والمشاركة الرقمية، حيث أنّ هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية المؤسسات، وهو الأمر الذي نعيشه اليوم، بل يشير إلى انتقال جزئي في مراكز التأثير.

لقد تغيرت قاعدة المشاركة، والمواطن أصبح أكثر وعياً بالسياسات العمومية، وأكثر مطالبة بالنتائج الملموسة، فالثقة لم تعد مرتبطة بالخطابات أو الوعود التهليلية، والمعطيات الزائفة، بل بمدى قدرة الفاعل العمومي على الإستجابة الفعالة والعاجلة للحاجيات الاجتماعية،كالشغل، الصحة، السكن، العدالة الإجتماعية، جودة الحياة.

الأحزاب السياسية: بين سؤال التجدد ومعضلة التمثيل

ومما هو واضح اليوم، تجد الأحزاب المغربية نفسها داخل مفترق طرق صعب: الحفاظ على دورها التاريخي والكلاسيكي المحض في الوساطة بين الدولة والمجتمع، والتكيف مع واقع جديد لا يعترف كثيراً بالوساطات التقليدية، بل بالإنجاز الفعلي الملموس، ليتضح بأنّ جزءاً كبيراً من أزمتها، يعود إلى محدودية تطوير الخطاب الحزبي، غياب التجديد والانفتاح الفكري والبرامجي، وعدم مواكبة التحولات وحجم المطالب الإجتماعية.

ومع ذلك، لا يمكننا إفلات الإعتراف بأن الأزمة الحاصلة لا تكمن في الأحزاب السياسية وحدها، بالرغم من حديثنا عن دورها المحوري في تحقيق النتائج الإجتماعية الملموسة التي تعدُ بها المواطن المغربي عبر برامجها الحزبية المُعلنة، كما الإصلاحات السياسية والمؤسساتية التي شهدتها البلاد خلال العقدين الأخيرين، كانت تسعى بالأساس إلى تحديث الدولة وتعزيز هذه الثقة عبر إصلاح كلّ ما هو دستوري، قانوني، مؤسساتي، بالإضافة لرقمنة الخدمات، وهي جهود كبيرة، سطّرت لِتحوّلٍ جدريٍّ في توجّهِ الدولة نحو الديمقراطية الحقة.

غير أن هذا الإصلاح، لربما يحتاج إلى انخراط والتزام حقيقي من جميع الفعاليات البشرية والإدارية والمؤسساتية، لنهج توجّه موحّد وجادّ، نحو انخراط وأداء سياسي مسؤول، يعي حساسية دوره، في تحديد جودة مستقبل المواطنين، ويتخذ من الرقابة والمحاسبة دافعاٍ للعطاء المتواصل، لا فضاء للتخفي وممارسة المزيد من السلوكيات الفاسدة.

الدولة والمجتمع: علاقة قيد إعادة البناء

يجدر القول بأنّ الثقة السياسية ليست قراراً إداريّاً، بل عملية تفاعل ممتدة بين مختلف الأطراف، خاصة في ظلّ ما تواجه الحكومة اليوم من تحديات كبرى في تدبير الملفات الإقتصادية والإجتماعية، وصعوبة معالجتها وسط السياق الدولي الضاغط، الذي يتميز بأزمات اقتصادية عالمية، تضخم، ارتفاع كلفة المعيشة، التحولات الجيوسياسية.

فهذا السياق الواقع، جعل السياسة أقل قدرة على تقديم إجابات سريعة، بل وأصبحوا أكثر عرضة لانتقادات المواطنين، إلا أنه وبالمقابل، ثمّة تطور واضح في آليات الحكامة، وتم اعتماد مقاربات جديدة في تدبير الشأن العمومي، كما تنامى دور الرقمنة في التدبير الخدماتي.

إنّ بناء الثقة يحتاج توازناً بين الواقعية والطموح، بين مطالب المجتمع وقدرة الفاعلين السياسيين على الإستجابة، وبين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية.

الشباب… الفاعل الذي تجاوز السياسة التقليدية

لا يمكن فهم التحولات السياسية دون دراسة الموقع الحساس للشباب، الذين لم يغادروها يوماً، بل غادروا مفهومها القديم، فحضورهم القوي في النقاش الرقمي، الدفاع عن القضايا الاجتماعية، ومطالبهم التي تنادي بالعدالة والشفافية، كلها مؤشرات على تحول حقيقي في البنية السياسية.

كما أن عزوفهم عن الأحزاب لا يعني بالضرورة عزوفهم عن الشأن العام، بل انتقال نحو أنماط جديدة من المشاركة: مشاركة فردية، ميدانية، رقمية، خارج الأطر التقليدية.

فهل هي أزمة ثقة أم مرحلة لإعادة تعريف السياسة؟

هنا نجد رأيان متناقضان، يبدو أنهما يلتقيان في نقطة أساسية:

فالرأي الأول يفيد أنّ تراجع الثقة يعكس بالفعل أزمة تمثيلية، وضعف الأحزاب، وغموض البرامج.
في حين يرى الثاني بأنّ ما يحدث ليس أزمة، بل مرحلة إنتقالية نحو شكل جديد من السياسة يتجاوز الأدوات القديمة، ويتطلب مجالا زمنيا كافيا للتجسد.

وفي كلتا الحالتين، يؤكد الواقع أن النموذج السياسي التقليدي الحالي قد بلغ منتهاه، فالحاجة اليوم ليست فقط لإصلاح المؤسسات، بل لنمط جديد في صنع القرار، تطوير مشاركة المواطن، تجديد طرق التواصل السياسي، والتزام الاحزاب بالفاعلية والانجاز.

كيف تُستعاد الثقة؟

لا توجد وصفة سحرية سريعة، وهذه الإستعادة لن تأتي من طرف واحد، لأنها مسؤولية الجميع، لكن هناك مسارات ضرورية تمثل السبيل الأسلم، ويمكن لم شملها فيما يلي:

مؤسسات قادرة على التغيير الفعلي

أحزاب متجددة ومسؤولة

مجتمع مدني فاعل ونشط

مواطن يشارك ويطالب ويقيم

إعلام حرّ ونزيه

مراقبة ومحاسبة فعلية

 نحو سياسة بمعنى جديد

ما يعيشه المغرب اليوم لا يمكن قراءته فقط في إطار “تراجع الثقة” لأنه نطاق ضيق وعقيم، بل يفضل تجاوزه لما هو أسع، لنتحدث عن تحول سوسيولوجي وسياسي عميق، يعكس انتقال المجتمع نحو مرحلة جديدة من الوعي والتعبير عن المطالب والمشاركة.

فالسياسة لا تنتهي، لكنها تعيد تعريف نفسها عبر الزمن، والتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الإسهاب في تشخيص الأزمة، بل في التفكير في النموذج القادم للعلاقة بين المواطن والدولة، بين المؤسسات والمجتمع، بين السياسة كخطاب والسياسة كفعل.

إننا أمام لحظة مفصلية: لحظة إعادة بناء الثقة، ليس بوصفها مجرد هدف سياسي، بل باعتبارها شرطاً للتنمية والاستقرار والتحديث الاجتماعي.

التعليقات مغلقة.